الجواهري في مواجهة “عاصفة اليقين”: درس في إدارة الأزمات من قلب بنك المغرب
بقلم امال بنعبود
لم يكن المؤتمر الصحفي الأخير الذي عقده عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، مجرد لقاء روتيني للإعلان عن القرارات النقدية، بل تحول إلى منصة تعليمية رفيعة المستوى في كيفية تدبير “اقتصاد عدم اليقين”. في ظل ظرفية دولية ومحلية معقدة، رسم “حكيم السياسة النقدية” خارطة طريق استباقية، مزجت بين الصرامة التقنية والواقعية السياسية، ليحول اللقاء إلى درس في الحكامة الرشيدة وسط الأنواء.
تثبيت سعر الفائدة: تغليب كفة الاستقرار
في خطوة تعكس قراءة متأنية للمؤشرات، قرر مجلس بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير. هذا القرار، وإن بدا “محافظاً” للبعض، إلا أنه يحمل في طياته رسالة طمأنة للأسواق والمستثمرين. الجواهري، من خلال هذا التثبيت، يسعى إلى الحفاظ على توازنات الماكرو-اقتصادية، معطياً الأولوية لاستقرار الأسعار وكبح جماح التضخم، دون خنق دينامية النمو الضعيفة أصلاً في ظل توالي سنوات الجفاف.
خلية الأزمة: الاستنفار لمواجهة الطوارئ
من أبرز ملامح هذا الظهور، كان الإعلان عن تفعيل “خلية أزمة” داخل البنك المركزي. هذه الخطوة تعني أن بنك المغرب لم يعد يكتفي بالرصد السلبي، بل انتقل إلى وضعية الهجوم الاستباقي. مهمة هذه الخلية هي المراقبة اللصيقة للتقلبات الجيوسياسية وتأثيرها على أسعار الطاقة والمواد الأولية. إنها “رادار” مالي يسمح باتخاذ قرارات سريعة وجريئة في حال حدوث أي صدمة خارجية غير متوقعة.
خط الائتمان مع صندوق النقد: “السترة الواقية”
وفي سياق تعزيز الحصانة المالية للمملكة، أشار الجواهري إلى بقاء خط الائتمان والسيولة (LCM) الممنوح من صندوق النقد الدولي كخيار استراتيجي في الاحتياط. هذا “الدرع المالي” لا يهدف بالضرورة إلى الاستخدام الفوري، بل يعمل كصمام أمان يعزز ثقة المانحين والشركاء الدوليين في متانة الاقتصاد المغربي، ويمنح البنك المركزي هامش مناورة أوسع في حال تدهور ميزان المدفوعات.
دروس في “إدارة الشك”
ما يميز تدخل والي بنك المغرب هو صراحته المعهودة التي يسميها البعض “الحقائق المزعجة”. الجواهري لم يبع الأوهام، بل قدم تشريحاً دقيقاً للمخاطر التي تحيط بالمسار الاقتصادي. لقد حول لغة الأرقام الجافة إلى رؤية استراتيجية، مؤكداً أن النجاح في تدبير المرحلة لا يتوقف فقط على الأدوات النقدية، بل على القدرة على التكيف مع المتغيرات، والتحلي باليقظة الدائمة، والشفافية في التواصل مع الفاعلين الاقتصاديين.
لقد أثبت عبد اللطيف الجواهري مرة أخرى أنه ليس فقط حارساً للمعبد النقدي، بل هو ربان ماهر يجيد قيادة السفينة وسط الضباب. ومن خلال هذا العرض، يكون بنك المغرب قد أرسل إشارة قوية: المملكة مستعدة لكل السيناريوهات، واليقظة هي السلاح الأقوى في مواجهة المجهول.









