التقاعد: بين سندان “الخامسة والستين” ومطرقةِ الحاجة: هل ضاعتْ شواطئُ الراحة؟
بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير،ابريل،2026.
الجزء الثاني 2/3
تأتي هذه الظاهرة المتمثلة في العودة الطوعية للعمل في وقت تشتعل فيه نقاشات السياسة العامة حول رفع سن التقاعد إلى الخامسة والستين كخيار استراتيجي للدولة.
هنا تبرز المفارقة المغربية بوضوح؛ فبينما يرفض الموظفون والعمال في النقابات والساحات أي تمديد إلزامي لعمر العمل، نجد فئات منهم تعود “طوعاً” أو تحت ضغط الحاجة لممارسة مهام شاقة بعد التقاعد.
هذا الرفض الجماعي للرفع القانوني للسن ينبع من فقدان الثقة في منظومة التوازن بين الجهد والجزاء، ومن التوجس على الحقوق المكتسبة التي يرى فيها الشغيلة ملاذاً أخيراً بعد سنوات من الإنهاك في دروب الإدارة والإنتاج.
إن الرفض النقابي والعمالي لرفع سن التقاعد لا يعكس رغبة في الخمول، بقدر ما يعكس صرخة ضد فرض منطق “العمل القسري” تحت ذريعة التوازنات المحاسباتية للصناديق.
فالعامل الذي أفنى عمره في المصانع أو في مكاتب الإدارة المثقلة بالملفات، يرى في الستين أفقاً للحرية والسكينة والاهتمام بالذات وبالروابط الأسرية.
لكن الواقع السوسيو-اقتصادي المر يفرض عليه أحياناً العودة للعمل كحارس لمؤسسة خاصة أو كعامل مياوم، لأن المعاش الذي تلقاه قد لا يفي بمتطلبات العيش الكريم أو التزاماته تجاه أبناء لم يجدوا بعد طريقهم للتمكين، مما يجعل “التقاعد” فصلاً وهمياً في رواية الكد المستمر.
تتجلى في هذا السياق ازدواجية المعايير بين النص التشريعي والضرورة الإنسانية؛ فالمرونة التي يجدها الخبير المتقاعد في الشركات الكبرى لا تتوفر للعامل البسيط في قرارات التدبير العمومي.
الدولة تنظر للأمر من زاوية الأرقام والاستدامة المالية، والمواطن يراه استنزافاً لما تبقى من سنوات الهدوء قبل الرحيل. وفي هذه الفجوة الواسعة، يولد “سوق عمل المتقاعدين” الذي ينمو بصمت، حيث يصبح المتقاعد في نظر القطاع الخاص يداً عاملة خبيرة، منضبطة، وبأقل التكاليف، مما يحوله إلى “فاعل ظل” يسهم في الدورة الاقتصادية بعيداً عن حماية التشريعات الاجتماعية الرسمية.
التقاعد: بين سندان “الخامسة والستين” ومطرقةِ الحاجة: هل ضاعتْ شواطئُ الراحة؟









