🖋️ الرأي | سلسلة: تشخيصات خارج المألوف الحلقة الثانية الغرور… حين تتحول حياة الإنسان إلى سجن “”ليس كل من ارتفع ارتقى… فبعض القمم تبنيها الأنا قبل الإنجاز”.

ميلودة جامعي28 يونيو 2026آخر تحديث :
  🖋️ الرأي | سلسلة: تشخيصات خارج المألوف الحلقة الثانية الغرور… حين تتحول حياة الإنسان إلى سجن “”ليس كل من ارتفع ارتقى… فبعض القمم تبنيها الأنا قبل الإنجاز”.

 

✍️ بقلم: ميلودة جامعي

في الحلقة الأولى، تحدثنا عن الجنون، لكن ليس ذلك الجنون الذي يعني المرض العقلي أو النفسي، فهذه حالات لها أهل الاختصاص، ولا يجوز الخلط بينها وبين ما نقصده في هذه السلسلة.

لقد كان المقصود هو الجنون السلوكي؛ حين يفقد الإنسان اتزانه في بعض قراراته وتصرفاته، وهو بكامل وعيه وإدراكه. فقد يعيش حياته بشكل طبيعي، ويعمل، ويخالط الناس، لكنه أحيانًا يتصرف بطريقة يطغى عليها الاندفاع أو الأنانية أو الوهم، حتى تبدو أفعاله وكأنها خرجت عن منطق العقل. إنه جنون السلوك، لا جنون المرض.

واليوم ننتقل إلى أحد أكثر هذه السلوكيات انتشارًا… الغرور.

قد يظن البعض أن الغرور مجرد ثقة زائدة بالنفس، لكنه في الحقيقة بداية سجن يبنيه الإنسان لنفسه دون أن يشعر. ليس سجنًا من إسمنت وحديد، بل سجنًا من الأنا، يمنعه من رؤية أخطائه، ويجعله يرفض الاعتراف بنواقصه، ويعتبر كل نقد هجومًا، وكل نصيحة انتقاصًا من قيمته. ومع مرور الوقت، ينعزل عن الآخرين وهو يظن أنه الأفضل بينهم، فتضيق حياته داخل صورة رسمها لنفسه، حتى يصبح أسيرًا لها.

 

هناك خيط رفيع يفصل بين الثقة بالنفس والغرور. فالثقة تدفع الإنسان إلى العمل والاجتهاد والتطور، أما الغرور فيوهمه بأنه وصل، وأنه لم يعد بحاجة إلى التعلم أو الاستماع أو مراجعة نفسه.

الغرور لا يولد مع الإنسان، بل ينمو كلما وجد تصفيقًا بلا صدق، ومديحًا بلا حدود، وإعجابًا يحجب عنه رؤية عيوبه. وحين يعتاد الإنسان سماع الثناء فقط، يصبح النقد بالنسبة إليه إهانة، والنصيحة مؤامرة، والاختلاف عداءً.

كم من شخص صنعه نجاح صغير، ثم هدمه غرور أكبر من نجاحه؟ وكم من موهبة انطفأت لأنها آمنت بأنها وصلت إلى النهاية، بينما كانت لا تزال في بداية الطريق؟

المغرور لا يرى الآخرين كما هم، بل كما يريد هو أن يراهم. يقلل من إنجازاتهم ليبدو أكبر، ويستهين بأحلامهم ليحافظ على صورته المتضخمة. لكنه ينسى أن الإنسان الذي يتوقف عن التعلم، يبدأ في التراجع، مهما كان موقعه أو مكانته.

الحياة لا تعترف بالمتكبرين طويلًا. فهي تمنح الفرص للجميع، لكنها لا تضمن استمرارها لأحد. وما يرفعه الاجتهاد والعمل، قد يهدمه الغرور في لحظة واحدة.

ولعل أجمل ما يزين الإنسان ليس نجاحه، بل تواضعه بعد النجاح. فالأشجار المثمرة تنحني كلما أثقلتها الثمار، أما اليابسة فتظل منتصبة حتى تكسرها أول عاصفة.

التواضع لا ينتقص من الهيبة، بل يمنحها معنى. أما الغرور، فقد يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالعظمة، لكنه يسلبه راحة النفس، ويحرمه من العلاقات الصادقة، ويجعله يعيش داخل سجن صنع مفاتيحه بيده، ثم أضاعها بكبريائه.

وفي رأيي، الغرور ليس دليل قوة، بل خوف خفي من السقوط. لذلك يبالغ صاحبه في إظهار تفوقه، لأنه يخشى أن يكتشف الآخرون أنه ليس كاملًا كما يتخيل.

فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد من يصفقون لك، بل بعدد من يحترمون أخلاقك قبل إنجازاتك. وقد يسبق الإنسان غيره بالعلم أو المال أو المنصب، لكنه لا يسمو حقًا إلا حين يبقى متواضعًا وهو قادر على التكبر.

#ختام#

إذا كان الجنون السلوكي الذي تحدثنا عنه في الحلقة الأولى يجعل الإنسان يفقد اتزانه في بعض المواقف، فإن الغرور أحد أخطر صوره؛ لأنه يقنع صاحبه بأنه لا يخطئ، ولا يحتاج إلى مراجعة نفسه، ولا يرى الحقيقة إلا من زاويته. وهنا تبدأ حياة الإنسان بالتحول إلى سجن، ليس لأن أحدًا حبسه، بل لأنه أغلق على نفسه أبواب التواضع، وأوصد نوافذ التعلم، واختار أن يعيش أسيرًا لصورة رسمها عن ذاته.

#نلتقي في الحلقة الثالثة من سلسلة “تشخيصات خارج المألوف”# بعنوان:

“الصمت… حين تصبح الكلمات أقل بلاغة من السكوت.”

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة