بقلم الدكتور رشيد بوتي
يبدو أن المغرب يعيش على وقع مخاض تحول ديمغرافي واجتماعي غير مسبوق. ففي الوقت الذي تُظهر فيه المؤشرات الرسمية استقراراً نموياً ظاهرياً، يكشف تقرير “المؤشرات الاجتماعية للمغرب – إصدار 2026” الصادر عن المندوبية السامية للمخطط (HCP) عن زلازل صامتة تعيد تشكيل ملامح الأسرة المغربية، واقتصادها، وبنيتها السكانية من الجذور.
فإلى حدود اليوم، لم تعد الأرقام مجرد إحصائيات جامدة في رفوف الإدارات، بل أصبحت مرآة حقيقية لواقع متحول يفرض إعادة هندسة شاملة للسياسات العمومية والاستراتيجيات الوطنية.
قراءة في عمق الأرقام: مؤشرات تعيد رسم معالم المستقبل
يحمل الإصدار الأخير للمندوبية السامية للمخطط قراءات دقيقة ومقلقة في آن واحد، لعل أبرزها:
تباطؤ ديمغرافي ونمو هادئ: بلغ عدد سكان المغرب 36.83 مليون نسمة، غير أن وتيرة النمو الديمغرافي تشهد تباطؤاً ملحوظاً مقارنة بالعقود الماضية.
تحول تاريخي في الخصوبة: لأول مرة في تاريخه الحديث، انخفض مؤشر الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة، نازلاً بذلك تحت عتبة تجديد الأجيال (البالغة 2.1). هذا الانخفاض يحمل تداعيات بعيدة المدى على سوق الشغل، وأنظمة التقاعد، واستدامة المالية العامة.
شيخوخة متسارعة: يقترب عدد المغاربة البالغين 60 سنة فما فوق من حاجز 5 ملايين نسمة، وهو ما يفرض إحداث ثورة حقيقية في قطاع الصحة، وأنظمة الحماية الاجتماعية، وتطوير ما يُعرف بـ «الاقتصاد الفضي» .
تصدع النموذج الأسري التقليدي وعزوف عن الزواج:
تشهد البنية الأسرية تصغيراً في الحجم وتغير في الأنماط. فقد ارتفع عدد الأسر إلى 9.27 مليون أسرة، بينما انخفض متوسط حجم الأسرة من 4.6 أفراد سنة 2014 إلى 3.9 أفراد في الوقت الحالي. وفي نفس السياق، يواصل سن الزواج الارتفاع، حيث بلغ معدل العزوبة النهجية (في سن 50 سنة) نحو 12.4% لدى النساء و9.7% لدى الرجال، وهي ظاهرة باتت تمتد حتى للمجالات القروية.
الفوارق المجالية والاجتماعية: على الرغم من المكتسبات المحققة في قطاعات التعليم والصحة والإسكان، لا تزال الفوارق الترابية والاجتماعية والجندرية تشكل فرامل حقيقية أمام تحقيق تنمية شاملة ومدمجة.
أبعد من الإحصائيات: نحو إعادة هندسة السياسات العمومية
إن هذه التحولات ليست مجرد تقلبات عابرة في منحنيات البيئة السكانية، بل هي بمثابة زلززال هيكلي يغير طبيعة الطلب على البنى التحتية، ويفرض مهارات جديدة لسوق العمل، ويغير استراتيجيات الشركات الكبرى والمتوسطة.
لم يعد التحدي اليوم يكمن في مجرد «معاينة» التغيير أو رصده، بل في القدرة على استباقه. ففي عالم اليوم، لم تعد تنافسية الأمم تُقاس فقط بمعدلات نموها الاقتصادي الجاف، بل بقدرتها على استيعاب التحولات المجتمعية، وتدبير الانتقال الديمغرافي بذكاء، وتحويل التحديات الاجتماعية إلى فرص حقيقية لخلق الثروة والرفاه.
نحو رؤية استراتيجية شمولية
يشكل تقرير المندوبية السامية للمخطط خريطة طريق وبوصلة لا غنى عنها لصناع القرار، والجماعات الترابية، والمستثمرين، والباحثين الأكاديميين الساعين لفهم مستقبل المغرب.
إن الدول التي ستضمن لنفسها مكانة ريادية في المستقبل هي التي ستدرك، منذ اليوم، أن الاستثمار في الديموغرافيا، وجودة التعليم، والمنظومة الصحية، والتشغيل، والتماسك الاجتماعي، ليست مجرد نفقات عمومية استهلاكية، بل هي استثمار استراتيجي بعيد المدى في رأس المال البشرى.
المغرب اليوم يتوفر على تشخيص دقيق ومحين. والرهان الأكبر يظل متوقفاً على مدى القدرة على تحويل هذه المعرفة العلمية الرصينة إلى أفعال ميدانية وسياسات جريئة.
#المغرب #HCP #التحول_الديمغرافي #التنمية_المستدامة #السياسات_العمومية #رأس_الممال_البشري #الاقتصاد #المجتمع #القيادة #ابتكار









