الصحراء المغربية: تحول استراتيجي يغير موازين القوى الدولية

Mekki Sebai9 يونيو 2025آخر تحديث :
الصحراء المغربية: تحول استراتيجي يغير موازين القوى الدولية

الصحراء المغربية: تحول استراتيجي يغير موازين القوى الدولية

 

الدكتور زكرياء بنعمر فارس

 

تشهد قضية الصحراء المغربية تسارعًا دبلوماسيًا ملحوظًا، حيث تتغير ديناميات القوة العالمية وتتطور الأولويات الدولية. فبعد الدعم الواضح من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وهما عضوان دائمان في مجلس الأمن، جاء دور المملكة المتحدة لتتوافق موقفها مع الموقف المغربي. وقد أشاد وزير الخارجية البريطاني بمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحتها الرباط، واصفاً إياها بأنها “الأساس الأكثر مصداقية وواقعية وعملية” للتوصل إلى حل دائم.

 

يمثل هذا الموقف اللندني تحولًا استراتيجيًا هامًا من جانب دولة معروفة بتحفظها وثباتها الدبلوماسي. هذا الدعم الواضح للمقترح المغربي يتجاوز الإطار الحزبي، ويعكس إعادة اصطفاف أعمق داخل الجهاز الحكومي البريطاني بأكمله، بما في ذلك الأبعاد الدبلوماسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية.

 

الصحراء المغربية في قلب التوجه الأطلسي والتنمية القارية

 

بعيدًا عن إدارة الوضع الراهن، اختار المغرب مقاربة استباقية وطموحة، حيث جعل من أقاليمه الجنوبية رافعة استراتيجية للتنمية القارية. فمن مدينتي الداخلة والعيون، يبلور المغرب رؤية أطلسية جريئة للتعاون جنوب-جنوب. وتعتبر المبادرة الملكية الهادفة إلى توفير منفذ على المحيط الأطلسي للدول الإفريقية غير الساحلية جزءًا أساسيًا من هذه الرؤية. إنها ليست مجرد طموح لوجستي، بل هي إعادة تموضع استراتيجي للتدفقات التجارية وسلاسل القيمة الأفريقية.

 

في هذا السياق، يكتسب مشروع خط أنابيب الغاز الضخم بين نيجيريا والمغرب معناه الكامل. فمن خلال عبوره لأكثر من عشر دول، يعزز هذا المشروع مكانة المغرب كمنصة طاقية قارية، تربط غرب إفريقيا بأوروبا، مرورًا بالأقاليم الجنوبية. وبالتالي، فإن الصحراء المغربية لم تعد مجرد فضاء متنازع عليه، بل أصبحت واجهة للاندماج الأفريقي ومحركًا أساسيًا للدبلوماسية الاقتصادية الجديدة للمملكة.

 

تقارب غربي وانتظار الموقف الصيني

 

في غضون سنوات قليلة، أكدت ثلاث عواصم غربية كبرى (واشنطن، باريس، لندن) دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء. هذا التقارب الدبلوماسي يعكس تحولًا استراتيجيًا واضحًا: أصبح السعي إلى الاستقرار الإقليمي يمر الآن عبر اعتراف صريح بالسيادة المغربية على كامل ترابها.

 

الصين، من جانبها، تقيم مع المغرب علاقات اقتصادية مزدهرة وتستثمر بكثافة في المملكة. ومع ذلك، فإن هذه الشراكة الديناميكية، التي ترسخت في بقية أنحاء البلاد، تستفيد اليوم من التوسع لتشمل كامل التراب الوطني.

 

الصين، إذا كانت تطمح إلى لعب دور عالمي رئيسي، قد يتعين عليها في نهاية المطاف تطوير قراءتها الاقتصادية الصارمة لبعض الشراكات وتحويل وجودها الاقتصادي إلى التزام سياسي مؤكد، في احترام التحالفات الاستراتيجية التي بنيت على المدى الطويل.

 

لحظة محورية للمنطقة والقارة

 

لم يعد ملف الصحراء مجرد قضية محلية، بل أصبح كاشفًا لخطوط الصدع والتحالفات الجديدة في العالم متعدد الأقطاب. فمن خلال المراهنة على دبلوماسية الانفتاح، والمشاريع الكبرى، ومقترح سياسي ذي مصداقية، يؤكد المغرب نفسه كفاعل محوري في إعادة تشكيل القارة الأفريقية على الصعيدين الجيوسياسي والاقتصادي. إن الدول التي ترفض التكيف مع هذا الواقع الجديد تخاطر بالتهميش، لأن قطار التاريخ يسير قدمًا، والمغرب قد صعد على متنه بالفعل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة