اليوم العالمي للمعلم.. ذكرى تمرّ في صمت رغم رمزيتها العميقة

ميلودة جامعي6 أكتوبر 2025آخر تحديث :
اليوم العالمي للمعلم.. ذكرى تمرّ في صمت رغم رمزيتها العميقة

توفيق مباشر 

في الخامس من أكتوبر من كل عام، يتوقف العالم لحظة ليكرم صُنّاع الأجيال ومهندسي المستقبل في مناسبة يُطلق عليها اليوم العالمي للمعلم. يومٌ يحمل في جوهره رسالة نبيلة، تُذكّر المجتمعات بأهمية التعليم والمعلمين ودورهم في بناء الإنسان قبل العمران. ومع ذلك، يبقى هذا اليوم في بلادنا مناسبة منسية لا تحظى بما تستحق من اهتمام واحتفاء.

يُفترض أن يكون هذا اليوم مناسبة لتكريم المعلمين والوقوف على إنجازاتهم، لكنه يتحول كل عام إلى مجرد تاريخ في التقويم، تمر ذكراه دون مبادرات أو فعاليات حقيقية تعكس مكانة هذه الفئة الحيوية. والواقع أن أزمة التعليم في بلادنا أعمق من أن تُختصر في احتفال رمزي، فهي أزمة بنيوية تتعلق بالمناهج، والوسائل، والتحفيز، والاعتراف الاجتماعي.

تشير تقارير تربوية حديثة إلى أن نسبة مقلقة من التلاميذ في المستويات الأساسية لا يتقنون القراءة والكتابة، وهو ما يكشف خللاً عميقاً في النظام التعليمي. فالتلميذ الذي يعجز عن قراءة نص بسيط أو كتابة جملة سليمة، هو نتاج منظومة لم تنجح في أداء وظيفتها الأساسية. وهذا الفشل لا يتحمله المعلم وحده، بل هو نتيجة تراكمات في السياسات التعليمية، وغياب رؤية واضحة لإصلاح المدرسة العمومية.

المعلم في مجتمعاتنا يعيش مفارقة مؤلمة: فهو يُطالب بأن يكون قدوة ومصدر إلهام، بينما تُهمَل أوضاعه المادية والمعنوية. كيف يُمكن لمعلمٍ مثقلٍ بالإكراهات أن يُبدع ويُكوّن الأجيال؟

إن تدهور المكانة الاجتماعية للمعلم يؤدي إلى إحباط داخل الجسم التربوي، ويضعف الحافز على العطاء، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى طاقات تعليمية مبدعة قادرة على مواكبة التحولات الفكرية والتكنولوجية.

الخامس من أكتوبر ليس يوماً للورود أو الشعارات، بل هو فرصة لمساءلة الذات وإعادة التفكير في أولوياتنا التعليمية. فبدلاً من الاكتفاء بعبارات الشكر التقليدية، يجب أن يكون هذا اليوم مناسبة لإطلاق نقاش وطني صريح حول مستقبل التعليم والمعلمين.
إن تنظيم ندوات ولقاءات تربوية على الصعيد المحلي والوطني يمكن أن يشكّل أرضية لتبادل الأفكار والحلول، بمشاركة الأساتذة والطلبة وأولياء الأمور وصناع القرار. مثل هذه الفعاليات تُعيد الاعتبار لدور المعلم وتمنح التعليم مكانته المركزية في التنمية.

لقد آن الأوان لأن نتجاوز مرحلة الخطاب إلى مرحلة الفعل. الاحتفال الحقيقي بالمعلم هو في تحسين ظروف عمله، وتوفير بيئة تربوية تحترم جهوده، ومنحه التكوين المستمر الذي يستحقه. كما أن تطوير المناهج التعليمية لتشجع على الإبداع والتفكير النقدي يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع دعم المعلم مهنياً وإنسانياً.

إن تجاهل اليوم العالمي للمعلم ليس مجرد إغفال بروتوكولي، بل هو رسالة ضمنية تُقلل من قيمة التعليم نفسه. فالمعلم هو حجر الأساس في أي نهضة، وبدونه لا يمكن الحديث عن مستقبل واعد.
لذلك، يجب أن يكون الخامس من أكتوبر يوم وفاء ووعي جماعي، نُعيد فيه الاعتبار لمهنة التعليم، ونُكرّم من وهبوا حياتهم لتنوير عقول الأجيال.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة