الداء القديم: مرآة الإخفاق الداخلي واستمرار معركة الإصلاح

ميلودة جامعي11 أكتوبر 2025آخر تحديث :
الداء القديم: مرآة الإخفاق الداخلي واستمرار معركة الإصلاح

✍️ بقلم رشيد بوفوس 

إن ما يعيشه المغرب اليوم من مظاهر خللٍ في تدبير الشأن العام، وتفاوتٍ في التنمية، وفتورٍ في الثقة بين المواطن والدولة، ليس إلا صدىً لجرحٍ قديمٍ لم يندمل بعد. جرحٌ وصفه السلطان مولاي حفيظ بدقة مؤلمة في مؤلفه الشهير بعد تنازله عن العرش سنة 1912، حين كتب: “الداء قديم”.

لم يكن السلطان يبرر الهزيمة أمام القوى الاستعمارية، بل كان يُعرّي الحقيقة المرة: أن العطب مغربيّ المنشأ، سابق على الاستعمار وممهّد له. فقد رأى مولاي حفيظ أن ما أضاع المغرب ليس التفوق العسكري الفرنسي، بل الفساد الإداري، والجبن السياسي، وغياب الغيرة الوطنية. فبينما كانت أوروبا تُراكم ثرواتها بالعلم والصناعة والإصلاح، ظلت النخبة المغربية أسيرة الامتيازات والعادات، بعيدة عن هموم الشعب وحاجاته.

كانت البلاد آنذاك جسدًا منهكًا: تعليم هش، إدارة مترهلة، نظام ضريبي جائر، ومناطق بأكملها خارج سلطة الدولة. لم يكن الاستعمار إذن إلا نتيجةً طبيعيةً لمسارٍ طويلٍ من التراجع الداخلي. وكأن السلطان أراد أن يقول: من لم يُصلح نفسه، سيُصلحه غيره بالقوة.

وبعد أكثر من قرنٍ على تلك الصرخة، يبدو أن الداء لم يُستأصل بعد، بل تغيّر شكله فقط.
تحول استبداد الأمس إلى بيروقراطية ثقيلة، وفساد الماضي إلى عدم كفاءةٍ مقنّعة بشعارات التنمية. تُطلق الخطط وتُرسم النماذج التنموية، لكن أثرها في حياة المواطن العادي يظل محدودًا.
المغرب اليوم يعيش بسرعتين:

  • مغرب البنية التحتية الحديثة في الشمال والمدن الكبرى كطنجة والدار البيضاء والرباط،
  • ومغرب الانتظار في القرى والجبال والجنوب الشرقي، حيث المدارس مهترئة والمستوصفات خاوية.

إن هذا التفاوت المجالي والاجتماعي يعمّق الإحباط ويعيد إنتاج نفس الاختلالات التي تحدث عنها مولاي حفيظ قبل مئة عام.

أما السياسة، فقد تحولت من فضاءٍ للنقاش والمسؤولية إلى سوقٍ للوجوه والشعارات. الأحزاب فقدت دورها كجسرٍ بين الدولة والمجتمع، والشباب المتعلم فقد إيمانه بالمشاركة، فانسحب من المؤسسات إلى فضاء الشارع أو العالم الرقمي، حيث يعبر عن غضبه وإحباطه.

يقول مولاي حفيظ في نصه الخالد إن الخطر الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. وهذه الجملة ما تزال صالحة اليوم أكثر من أي وقت مضى: لن يُهزم المغرب بجيشٍ غريب، بل بتفشي اللامبالاة والمحسوبية والفساد.

ومع ذلك، فإن الأمل قائم.
فالمغرب يمتلك اليوم من الطاقات البشرية والقدرات الاقتصادية والمؤسسات الدستورية ما يؤهله لتجاوز هذا “الداء القديم”، شرط أن يُقدَّم الصدق على المجاملة، والكفاءة على الولاء، والإنصات على الخطابة.

 

حين يشعر المواطن، في فكيك كما في طنجة، بأن الدولة تراه وتسمعه وتحترمه، حينها فقط يمكن القول إن المغرب بدأ فعلاً رحلة التعافي، وكتب صفحة جديدة من تاريخه — صفحة الشفاء من دائه القديم، وبناء وطنٍ يستمد قوته من أبنائه لا من واجهاته.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة