✍️ بقلم: الدكتور زكرياء بنعمر فارس
تعيش قضية الصحراء المغربية لحظة مفصلية مع اقتراب مجلس الأمن الدولي من إصدار قراره السنوي في نهاية شهر أكتوبر الجاري، عقب إحاطتي المبعوث الشخصي للأمين العام، ستيفان ديميستورا، ورئيس بعثة المينورسو ألكسندر إيفانكو. وتشير المعطيات السياسية والدبلوماسية إلى أن النزاع المفتعل يقترب أكثر من أي وقت مضى من نقطة الحسم النهائي، في ظل تصاعد مؤشرات تبنّي حل سياسي واقعي عنوانه الأبرز: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
منذ شهر أبريل الماضي، أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية إشارات واضحة إلى نيتها دفع الملف نحو التسوية، بعدما دعت جميع الأطراف إلى التوصل إلى حل سياسي خلال ستة أشهر، أي قبل متم أكتوبر. هذه الدعوة أعادت الزخم لمسار التسوية الأممية، وأعطت بعداً عملياً للمقاربة الأمريكية التي ترى أن الاستفتاء خيار غير واقعي ومتجاوز.
في السياق ذاته، تتداول الأوساط الدبلوماسية إمكانية إخراج الملف من اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار، بالنظر إلى أن وضعية “الاستعمار” لم تعد قائمة منذ انسحاب إسبانيا سنة 1975. وهو ما يعزز الطرح القائل بأن الحكم الذاتي هو الشكل الواقعي لتقرير المصير وفقاً لمبادئ الأمم المتحدة نفسها.
يتواصل الدعم الدولي للمبادرة المغربية التي وُصفت مرارًا بأنها “جدية وذات مصداقية”. فقد أكد كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، بشكل صريح ثبات دعم واشنطن لسيادة المغرب، وتشجيعها الدائم لخيار الحكم الذاتي.
أما في أوروبا، فقد برز تحول واضح في الموقف البريطاني، الذي بدأ يميل إلى دعم المقترح المغربي باعتباره الأنسب لاستقرار المنطقة. وفي المقابل، سجلت روسيا موقفاً أكثر انفتاحاً حين صرح وزير خارجيتها سيرجي لافروف بأن بلاده “ترحب بالحكم الذاتي كأحد أشكال تقرير المصير إذا تم التوافق عليه”، وهو ما عُدّ مؤشراً قوياً على مرونة موسكو تجاه الحل المغربي.
بينما يواصل المغرب تحركاته الهادئة والفعالة لترسيخ مقترحه داخل الأوساط الأممية، عبر دبلوماسية مبنية على الواقعية والتعاون الإقليمي، يبدو أن الجزائر تعيش حالة عزلة سياسية متزايدة، بسبب تشبثها بخطاب متجاوز يدور حول “الاستفتاء” و“تقرير المصير”.
المغرب يراهن على التحولات الجيوسياسية الكبرى وعلى منطق التكامل المغاربي الذي أصبح ضرورة لمواجهة تحديات الأمن الإقليمي والتنمية، في حين تُصر الجزائر على استدامة الأزمة، رغم أن السياق الدولي الحالي لم يعد يحتمل نزاعات إيديولوجية من هذا النوع.
من بين المؤشرات الجديدة على تغير المناخ السياسي، ظهور جهود وساطة عربية بين المغرب والجزائر لتخفيف حدة التوتر. وقد أكدت مصادر دبلوماسية زيارة مبعوث رفيع من المملكة العربية السعودية إلى الرباط لهذا الغرض، ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن تسوية النزاع باتت شرطاً ضرورياً لاستقرار شمال إفريقيا ومحيط الساحل.
المداولات الجارية داخل مجلس الأمن تُظهر أن المقترح المغربي يحظى بدعم قوي من الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، وروسيا، بينما تتبنى الصين موقف الحياد الإيجابي. وتشير التوقعات إلى أن القرار الأممي المقبل قد يتضمن صيغة جديدة أكثر وضوحاً لصالح الحكم الذاتي باعتباره الإطار الواقعي لتقرير المصير، أو حتى اتجاه المجلس نحو تقليص تدخله في الملف إذا استمر الطرف الآخر في المماطلة.
تجمع كل المؤشرات اليوم على أن قضية الصحراء المغربية تدخل مرحلتها الأخيرة، حيث أصبح الحل السياسي الواقعي هو الخيار الوحيد الممكن والمقبول دولياً. ومع الدعم المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي ونجاح الدبلوماسية المغربية في حشد الإجماع حولها، يبدو أن الستار يُسدل فعلاً على نزاع دام لأزيد من أربعة عقود، لتُفتح صفحة جديدة عنوانها الاستقرار، التنمية، والتكامل الإقليمي تحت السيادة المغربية الكاملة على أقاليمه الجنوبية.










