المغرب يُصعِّد معركته ضد الفساد
طارق عفيف
يشهد المشهد السياسي والقضائي في المغرب تقدماً ملحوظاً وغير مسبوق في مكافحة الفساد المالي والإداري وسوء تدبير الأموال العمومية. وتُعد الإجراءات القضائية الأخيرة التي طالت عدداً من المنتخبين والمسؤولين البارزين، مؤشراً قوياً على جدية الدولة في تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية في المؤسسات المنتخبة.
أولاً: الإجراءات القضائية الصارمة… “لا حصانة فوق القانون”
تُمثل سلسلة القرارات الصادرة عن قضاة التحقيق بمحاكم جرائم الأموال، في عدة جهات بالمملكة، نقطة تحول حاسمة. وقد تمثلت أبرز هذه الإجراءات في:
* إغلاق الحدود وسحب الجوازات: صدرت قرارات قضائية تقضي بمنع السفر وإغلاق الحدود في وجه أكثر من عشرة منتخبين كبار، من بينهم رؤساء جماعات وأعضاء مكاتب مسيرة، وبرلمانيون حاليون وسابقون. وقد تم مصادرة جوازات سفرهم تمهيداً لاستكمال التحقيقات التفصيلية في تهم تتعلق بـ تبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ.
* التطبيق الصارم للقرارات: أظهر القضاء المغربي حزماً كبيراً في تفعيل قرارات المنع، حتى في الحالات التي حاول فيها بعض البرلمانيين تبرير سفرهم بـ”أسباب صحية”. كما أن جواز السفر الذي سُمح لأحد النواب باسترداده مؤقتاً للسفر، تم حجزه مجدداً فور عودته، لمتابعته في ملفات فساد جديدة.
* توسيع دائرة المتابعة: لم تقتصر المتابعات على المنتخبين فحسب، بل شملت أيضاً موظفين، وتقنيين، ومقاولين مشاركين في قضايا الفساد الإداري والمالي، مما يؤكد أن الحملة تستهدف الشبكات المتورطة في نهب المال العام.
ثانياً: التزام سياسي وأخلاقي لا رجعة فيه
تُسلط هذه التطورات الضوء على التقدم الملحوظ الذي يحرزه المغرب في ترسيخ أسس الحكم الرشيد، وهو ما يتجلى في:
* تخليق الحياة السياسية: تتناغم هذه المتابعات مع الخطاب الرسمي للدولة الذي يشدد على ضرورة تخليق الحياة السياسية ومحاربة الفساد داخل المؤسسات المنتخبة.
* رفض الأحزاب للدفاع عن المتهمين: من اللافت أن أحزاب المتهمين رفضت في العديد من الحالات تنصيب محامين للدفاع عنهم، في إشارة ضمنية إلى التزامها بالموقف الرسمي الرافض للفساد، وعدم تبنيها أي موقف يفسر على أنه محاولة لحماية المتورطين.
* موجة الشكاوى المتصاعدة: تتواصل موجة الشكاوى ضد رؤساء الجماعات عبر محاكم جرائم الأموال، مما يدل على ارتفاع منسوب اليقظة والمساءلة لدى المواطنين والفاعلين السياسيين (حيث تقدم برلماني سابق بشكاية أدت لتحقيق موسع).
ثالثاً: تحليل وتطوير: مرحلة حاسمة لاقتلاع الجذور
يؤكد المراقبون أن هذه الحملة القضائية تمثل مرحلة جديدة وحاسمة في مسار مكافحة الفساد في المغرب. فالمغرب ينتقل من مرحلة رصد الفساد والحديث عنه، إلى مرحلة التطبيق الفعلي والعاجل للعقوبات على الرؤوس الكبيرة.
إن متابعة برلمانيين ورؤساء جماعات في قضايا تبديد الأموال العمومية، ومصادرة وثائق سفرهم قبيل افتتاح الدورة البرلمانية، يُرسل رسالة قوية وواضحة إلى جميع المسؤولين مفادها:
* انعدام الحصانة المطلقة أمام تهم الفساد.
* العدالة ستلاحق الفاسدين بغض النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم الحزبية.
تعيش الأوساط السياسية حالة من القلق والترقب نتيجة سقوط عدد من المسؤولين في قبضة العدالة، مما يُعزز التوقعات بأن الحملة لن تتوقف قبل اقتلاع جذور الفساد من مؤسسات التدبير العمومي، وهو ما يُمثل تقدماً ملموساً ولافتاً في مسيرة المغرب نحو الحكامة الجيدة وترسيخ الشفافية.










