ثلاث صدمات متتالية تعصف بأركان النظام الجزائري

Mekki Sebai1 نوفمبر 2025آخر تحديث :
ثلاث صدمات متتالية تعصف بأركان النظام الجزائري

ثلاث صدمات متتالية تعصف بأركان النظام الجزائري

 

عفيف طارق

 

شهدت الجزائر مؤخراً، وخلال فترة زمنية وجيزة، تتابعاً لثلاثة أحداث دبلوماسية وسياسية كبرى، شكلت في مجملها ما يمكن وصفه بـ “أسبوع أسود ومفصلي” للنظام الحاكم، الذي غالباً ما يُشار إليه بـ “الكابرانات”. هذه التطورات المتسارعة لا تقتصر على كونها مجرد انتكاسات عابرة، بل تمثل ضربات عميقة تلامس أسس العقيدة السياسية والدبلوماسية التي يرتكز عليها النظام منذ عقود، وتضع المنطقة بأسرها أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات.

ثلاث ضربات موجعة تهز المشهد الإقليمي

يمكن تلخيص هذه التداعيات التي أثقلت كاهل الدبلوماسية الجزائرية فيما يلي:

1. إعلان “الماك” عن موعد استقلال منطقة القبائل: تصدُّع داخلي يلوح في الأفق

جاء إعلان الحركة من أجل استقلال منطقة القبائل (الماك)، برئاسة فرحات مهني، عن نيته إعلان استقلال الإقليم يوم 14 ديسمبر 2025، ليُشكّل ضربة قاصمة في الصميم. هذا الإعلان، الذي نبع من صلب الداخل الجزائري، يُعيد إلى الواجهة ملفاً حساساً لطالما حاول النظام إخفاءه، وهو تحدي الهوية والمطالبة بتقرير المصير. إن مجرد الإعلان عن موعد للاستقلال من طرف حركة مصنفة كـ “إرهابية” من قبل السلطات، يضع النظام في مأزق، لاسيما وأن العقيدة الدبلوماسية الجزائرية قامت لعقود على دعم حركات تقرير المصير، مما يجعله أمام تناقض صارخ: فكيف يدعم حركات انفصالية خارج حدوده ويقمعها داخله؟ هذا التطور يهدد بتعميق الشرخ الداخلي ويُشتت تركيز القيادة العسكرية عن قضاياها الخارجية.

2. تحرك البرلمان الفرنسي لإنهاء “امتيازات 1962”: نهاية لإرث تاريخي بأثمان باهظة

الصدمة الثانية تمثلت في تصويت الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة السفلى للبرلمان) على مقترح يهدف إلى إنهاء الامتيازات الممنوحة للمواطنين الجزائريين بموجب اتفاقية 1968، التي تُعد امتداداً لإرث ما بعد اتفاقيات إيفيان عام 1962. ورغم أن هذا التصويت يُعتبر رمزياً وغير مُلزم للحكومة في المرحلة الحالية، إلا أنه يشير بوضوح إلى تحول عميق في المزاج السياسي الفرنسي تجاه ملف الهجرة والعلاقات الثنائية. إذا ما تحول هذا القرار إلى تطبيق فعلي، فسوف يُنهي وضعاً خاصاً استفادت منه الجزائر لعقود في مجال الإقامة والتنقل والعمل لمواطنيها في فرنسا، مما يُفقد النظام ورقة ضغط تاريخية ويضع جالية كبيرة أمام مستقبل غامض، فضلاً عن كونه يعكس تراجعاً في المكانة الدبلوماسية للجزائر لدى شريكها التاريخي.

3. تبني مجلس الأمن الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية: تتويج للدبلوماسية المغربية

أما الضربة الثالثة والأكثر تأثيراً على الجبهة الدبلوماسية، فقد تمثلت في تبني مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لقرار يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء هي “الخيار الأكثر واقعية ودواماً لحل النزاع”. هذا التطور، الذي يُعد نصراً دبلوماسياً حاسماً للمملكة المغربية، يُعد في المقابل فشلاً ذريعاً للمحور الجزائري الداعم لجبهة “البوليساريو”. القرار الأممي يؤسس لـ تحول نوعي في الموقف الدولي، حيث يُعلي من شأن المقترح المغربي كـ “إطار وحيد” للحل، ويُضيّق الخناق على أي خيارات أخرى قد تدعو إلى استفتاء يهدد بتقسيم المنطقة. لقد جاء هذا التبني تتويجاً لجهود دبلوماسية مغربية متواصلة، مؤكداً العزلة المتزايدة للجزائر في ملف لطالما استنزفت فيه مواردها وجهدها الدبلوماسي.

خاتمة: مرحلة جديدة من إعادة الاصطفاف

إن تتابع هذه الأحداث الثلاثة في غضون أيام قليلة ليس محض صدفة، بل هو دليل على دخول المنطقة مرحلة جديدة من إعادة الاصطفاف السياسي والدبلوماسي. فبين مطرقة التهديد الداخلي بالانفصال، وسندان تراجع النفوذ لدى الشريك الأوروبي، وصدمة المكسب الدبلوماسي المغربي في ملف الصحراء، يجد النظام الجزائري نفسه أمام تحديات وجودية قد تغير خريطة التوازنات في شمال إفريقيا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة