لم يكن التعادل المخيب أمام مالي مجرد كبوة عابرة، بل كانت لحظة الحقيقة التي كشفت هشاشة البناء الذي اعتمد بشكل مفرط على “نشوة المونديال” وصناعة الأرقام القياسية الجوفاء. لقد سقط القناع عن فلسفة تقنية بدت تائهة أمام خصم منظم بدنياً وتكتيكيا
الفشل في تدبير “المحك الحقيقي”
بينما انشغل الطاقم التقني بقيادة وليد الركراكي بتحطيم الأرقام القياسية في المباريات الودية والوديات “المفصلة على المقاس”، اصطدم الواقع بمرارة المنافسات القارية. كرة القدم في إفريقيا لا تعترف بالتصنيف العالمي أو الإنجازات السابقة، بل تعترف بـ النجاعة الفورية. المدرب يتحمل المسؤولية الكاملة في إقحام عناصر لم تقدم الإضافة، وفي العجز عن إيجاد حلول لاختراق جدار مالي الدفاعي. وهدا ماحدث في عدة مباريات والتي لم يتجاوز انتصارنا إلا بنتيجة واحد لصفر.
كرة القدم ليست “سباق مسافات”
هناك خلط فادح بين مفهوم “الاستمرارية” وبين “الجمود التكتيكي”. الأرقام القياسية تخدم العدائين في مضامير رياضات اخرى كألعاب القوى لضمان التأهل للأولمبياد، أما في ملاعب كرة القدم وخلال نهائيات “الكان”، فالمطلوب هو النتيجة واللقب. البقاء في منطقة الراحة (Zone de confort) والاعتماد على أسماء لم تعد تقدم الجاهزية المطلوبة جعل الكرة المغربية هي الضحية الأكبر لهذا التعنت التقني.
يجب خارطة الطريق لتصحيح المسار
بناءً على هذا الإخفاق، لا بد من اتخاذ خطوات عاجلة بعيداً عن سياسة “احتواء الوضعية” وتلميع الصورة إعلامياً:
أولاً: ثورة في قراءة الخصوم
يجب على وليد الركراكي التخلي عن “الخطة الوحيدة” (Plan A) التي أصبحت مكشوفة للقارة الإفريقية. مالي نجحت في شل حركة الأجنحة وقطع خطوط الإمداد، مما يتطلب تنويع اللعب والاعتماد على العمق الهجومي بدلاً من العرضيات العقيمة.
ثانياً: الشجاعة في الندوة الصحفية
ننتظر خرجة إعلامية تتسم بالوضوح والمكاشفة، وليس لتوزيع الوعود الواهية. على الصحافة الرياضية أن تمارس دورها الرقابي بطرح أسئلة موضوعية.
ثالثاً: التحول من “هوس الأرقام” إلى “هوس الألقاب”
يجب إعادة ضبط البوصلة؛ الهدف ليس البقاء في صدارة التصنيف الإفريقي لسنوات، بل العودة بالكأس. هذا يتطلب تدوير التشكيلة وإقحام دماء جديدة قادرة على تحمل الضغط البدني الإفريقي، والابتعاد عن العاطفة في استدعاء اللاعبين.
> لقد انتهى وقت “التجريب” وحان وقت “الحساب”. الكرة المغربية لا تحتاج لعدائين يحطمون الأرقام، بل لمحاربين يحققون الألقاب فوق الميدان.









