ميلودة جامعي
في سياق التحولات الاجتماعية والديموغرافية المتسارعة التي يعرفها المغرب، عاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ليضع “اقتصاد الرعاية” في صدارة النقاش العمومي، داعياً إلى إدماجه بشكل منظم ومندمج ضمن مختلف الاستراتيجيات القطاعية والترابية، باعتباره خياراً استراتيجياً لمواكبة رهانات التنمية البشرية والاجتماعية.
وخلال لقاء تواصلي بالرباط خُصص لتقديم مخرجات رأي المجلس حول موضوع “اقتصاد الرعاية بالمغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي”، أكد رئيس المجلس، عبد القادر أعمارة، أن الرعاية لم تعد شأناً اجتماعياً هامشياً، بل أضحت مكوناً أساسياً في بناء مجتمع متوازن وقادر على مواجهة التحولات العميقة التي تفرضها شيخوخة الساكنة وتغير بنية الأسرة المغربية نحو النموذج النووي.
وأوضح أعمارة أن اقتصاد الرعاية يشمل طيفاً واسعاً من الأنشطة، سواء كانت مأجورة أو غير مأجورة، تهدف إلى تلبية احتياجات الأشخاص في وضعية تبعية، مساهماً بذلك في تعزيز التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية. غير أن هذه الأدوار، بحسب المجلس، ما تزال تتحمل عبئها الأكبر النساء، وهو ما يكرس اختلالات بنيوية، من بينها تعميق الفوارق بين الجنسين وتراجع مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، شدد رئيس المجلس على ضرورة إرساء استراتيجية وطنية طموحة لاقتصاد الرعاية، قادرة على تحويل هذا المجال إلى رافعة حقيقية للتنمية، عبر تقاسم أكثر إنصافاً للمسؤوليات بين الأسرة والجماعات الترابية والمهنيين والمجتمع المدني، بدل الاستمرار في الاعتماد شبه الكلي على التضامن الأسري.
وفي هذا الإطار، بسط المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي معالم توصياته التي انتظمت حول أربعة محاور كبرى. يتمثل أولها في جعل أعمال الرعاية رهاناً وطنياً، من خلال إحداث آلية وطنية للحكامة، وإرساء إطار قانوني موحد، مع إدماج اقتصاد الرعاية في السياسات العمومية القطاعية والترابية. أما المحور الثاني فيركز على تثمين مهن الرعاية والاعتراف بالعاملين فيها، عبر ضمان شروط العمل اللائق وتعميم الحماية الاجتماعية.
ويعالج المحور الثالث مسألة التوزيع المنصف لأعباء الرعاية، من خلال آليات قانونية وخدمات ملائمة، إلى جانب اعتماد إطار جبائي تحفيزي يدعم هذا الاقتصاد الاجتماعي. بينما يدعو المحور الرابع إلى الاستثمار في تطوير اقتصاد الرعاية، بما ينسجم مع قيم المجتمع المغربي، عبر دعم الرعاية التضامنية والبحث عن صيغ تمويل مبتكرة ومستدامة.
ويكتسي هذا الرأي أهمية خاصة لكونه ثمرة مقاربة تشاركية، انخرطت فيها مختلف مكونات المجلس، إلى جانب فاعلين مؤسساتيين ومجتمعيين، فضلاً عن مساهمات مواطنات ومواطنين عبر منصة “ouchariko.ma” وشبكات التواصل الاجتماعي. وقد تُوج هذا المسار بمصادقة الجمعية العامة للمجلس بالإجماع على الرأي، خلال دورتها العادية الـ171 المنعقدة في 26 يونيو 2025.
وبهذا الطرح، يفتح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي نقاشاً استراتيجياً حول موقع الرعاية في النموذج التنموي المغربي، باعتبارها استثماراً اجتماعياً طويل الأمد، لا مجرد كلفة ظرفية، وقاطرة محتملة لتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي.









