سفيان فارس
تختزل سيرة الراحل عبد الله إبراهيم درساً بليغاً في الوطنية الحقة؛ درسٌ مفاده أن “حب الوطن يتسامى فوق حب الذات”. فمنذ إعفائه من رئاسة الحكومة عام 1959، عاش الرجل أربعة عقود في صمتٍ كبريائي، صامداً أمام تقلبات الزمن دون أن يطلب جزاءً أو شكراً على واجبٍ اعتبره تكليفاً لا تشريفاً.
الموقف التاريخي: عزة النفس أمام إغراء المليارات
عندما تولى الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي قيادة حكومة التناوب، وفي التفاتة وفاء لرفيق دربه، تدخل لدى الملك الراحل الحسن الثاني لتسوية الوضعية المادية لسي عبد الله إبراهيم. وافق الملك على صرف تعويضات وتقاعد استثنائي، وصدر بالفعل شيك بمبلغ ضخم (قُدّر بـ 3 مليارات سنتيم) لتغطية مستحقات السنوات الماضية.
إلا أن رد عبد الله إبراهيم كان صدمة إيجابية في جدار السياسة المغربية، حيث رفض الشيك والتقاعد الاستثنائي جملة وتفصيلاً.
الفلسفة الأخلاقية للوزارة
لم يكن رفض عبد الله إبراهيم مجرد عناد، بل كان نابعاً من قناعة فكرية ودستورية عميقة، حيث كان يرى أن:
* الوزارة مهمة وطنية: هي تكليف مؤقت ينتهي بمجرد الإعفاء أو انتهاء الصلاحية.
* ليست وظيفة ريعية: لا ينبغي أن يترتب عليها تقاعد أبدي يُثقل كاهل الدولة.
* الزهد السياسي: التعفف عما في يد الدولة هو الضمانة الوحيدة لاستقلال القرار الوطني.
العيش الشريف والرحيل الهادئ
رغم توليه منصب الوزارة الأولى، لم يلهث الراحل وراء الاغتناء غير المشروع أو استغلال النفوذ. عاش حياة بسيطة، أقرب إلى “ضنك العيش” بمقاييس المادة، لكنها كانت حياة غنية بالكرامة وعزة النفس. لقد أثبت أن القوة لا تكمن في رصيد البنك، بل في رصيد المواقف.
نحن اليوم، في زمنٍ طغت فيه المصالح الشخصية على المصلحة العامة، في أمسّ الحاجة لاستحضار مدرسة عبد الله إبراهيم. رحم الله رجلاً عاش شريفاً، ومات شريفاً، وترك لنا إرثاً من الأخلاق السياسية التي لا تقدر بثمن.









