بقلم: د. زكرياء بنعمر فارس
في خطوة استراتيجية مرتقبة، يعتزم المغرب العودة إلى سوق الدين الدولية خلال النصف الأول من عام 2026، مستنداً إلى ترخيص برلماني يتيح له تعبئة ما يصل إلى 60 مليار درهم. وتأتي هذه الخرجة في ظرفية عالمية دقيقة، تضع السيادة المالية للمملكة أمام اختبار موازنة الطموحات التنموية مع تقلبات الأسواق النقدية.
تمويل الأوراش الكبرى في سياق مضطرب
تستهدف الحكومة من خلال هذا التمويل الخارجي تأمين الموارد اللازمة لمواصلة الأوراش الهيكلية الكبرى وتغطية عجز الميزانية. إلا أن توقيت العودة في 2026 يواجه “مثلث تحديات” يتمثل في:
* تذبذب الدولار: الذي يفرض إعادة تقييم لمخاطر الصرف وتكلفة السداد المستقبلي.
* الضبابية النقدية: نتيجة عدم استقرار سياسات البنوك المركزية الكبرى.
* التوترات الجيوسياسية: التي ترفع من “علاوة المخاطر” وتجعل المستثمرين أكثر حذراً مقارنة بالعام الماضي.
ميزان المدفوعات: بين الانتعاش الفوري والالتزامات الآجلة
تحمل هذه الخرجة الدولية أبعاداً مباشرة على ميزان المدفوعات المغربي، تتأرجح بين الدعم التقني والعبء الهيكلي:
* دعم الصمود النقدي: فور تنفيذ العملية، ستضخ هذه السيولة في الحساب المالي، مما يؤدي لتعزيز احتياطيات العملة الصعبة ودعم استقرار الدرهم، وهو ما يمنح الاقتصاد الوطني “صمام أمان” لتغطية الواردات الأساسية.
* اختبار الاستدامة: في المقابل، يبرز تحدي الحساب الجاري؛ فخدمة الدين (الفوائد) ستمثل تدفقات خارجة تتطلب نمواً موازياً في الصادرات وتحويلات مغاربة الخارج لضمان عدم اتساع العجز.
* رسالة للمستثمرين: يتجاوز القرض قيمته المادية ليكون بمثابة “شهادة ثقة” دولية. فنجاح المغرب في الاقتراض بشروط تنافسية سيعزز من جاذبيته للاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يحسن بنية ميزان المدفوعات على المدى المتوسط.
تمثل خرجة 2026 “حقنة أكسجين” ضرورية للتوازنات الماكرو-اقتصادية، غير أن نجاحها يبقى رهناً بقدرة الدولة على استثمار هذه التدفقات في قطاعات إنتاجية قادرة على توليد موارد ذاتية بالعملة الصعبة. إنها عملية “توقيت” بامتياز، تهدف إلى اقتناص الفرص في سوق دولية متقلبة لضمان استدامة النموذج التنموي المغربي.








