رأي: التضامن الوطني في مواجهة “نكبة” الطبيعة.. نحو إنصاف جغرافي شامل

ميلودة جامعي14 فبراير 2026آخر تحديث :
رأي: التضامن الوطني في مواجهة “نكبة” الطبيعة.. نحو إنصاف جغرافي شامل

 

 

بقلم: الدكتور زكرياء بنعمر فارس

 

لا يختبر معدن الأمم شيء كما تختبرها الأزمات الطبيعية؛ وفي المغرب، لطالما كان “التضامن” هو العقيدة المحركة للدولة والمجتمع على حد سواء. إن التوجيهات الملكية السامية بإعلان أقاليم الغرب واللوكوس مناطق منكوبة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل هي تجسيد لمفهوم “الدولة الراعية” التي تهب لنجدة مواطنيها في أحلك الظروف. ومع ذلك، فإن هذه اللحظة التضامنية تفرض علينا تساؤلاً جوهرياً حول “عدالة الاستجابة” وتوسيع نطاق الدعم ليشمل كل شبر تضرر من سخط الطبيعة.

وحدة الألم تقتضي وحدة الحل

إن المشاهد القادمة من مرتفعات شفشاون، حيث طمرت الانهيارات الأرضية أحلام أسر بأكملها، لا تقل مأساوية عن تلك التي شهدتها سهول القنيطرة والعرائش. وإذا كانت المعايير التقنية لتصنيف “المناطق المنكوبة” تخضع لمساطر محددة، فإن “الواقع الإنساني” على الأرض يفرض تجاوز البيروقراطية لصالح الفعالية الميدانية. فالمواطن الذي فقد سقفه في “دوار” جبلي معزول، يعاني ذات النكبة التي يعانيها قاطن السهول الفيضية.

صندوق الآفات الطبيعية: آلية للعدالة المجالية

إن تفعيل صندوق مكافحة الآثار الناجمة عن الكوارث الطبيعية يجب أن يرتكز على مبدأ “الاستحقاق بالضرر” لا “الاستحقاق بالجغرافيا”. إن إقليم شفشاون، بتضاريسه الوعرة التي تجعل من كل زخات مطرية تهديداً وجودياً للمساكن، يحتاج اليوم إلى “تمييز إيجابي”. إن إدراج هذا الإقليم ضمن مخططات الإعمار والتعويض ليس مجرد مطلب فئوي، بل هو استكمال لورقة الطريق الملكية التي تضع كرامة المواطن فوق كل اعتبار.

المجتمع المدني.. الذراع الرديفة للدولة

بموازاة التدخل الحكومي، يبرز دور المجتمع المدني والقوى الحية في الأقاليم المتضررة كشريك استراتيجي. ففي شفشاون، رأينا هبة تضامنية محلية عفوية تعكس عمق الروابط الاجتماعية. لكن هذه الجهود تظل “مسكنات” ما لم تؤطرها رؤية حكومية شاملة تعيد بناء ما دمرته الانهيارات، وتضع حلولاً جذرية لظاهرة “الانجرافات التربوية” التي تهدد استقرار الساكنة الجبلية.

الاستثمار في الاستباق

إن الدرس الأبرز من هذه الفيضانات هو نجاعة المقاربة الاستباقية التي جنبتنا فواجع بشرية، لكن التحدي القادم هو “الاستباق التنموي”. إن إنصاف شفشاون وغيرها من المناطق المتضررة هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي، وتأكيد على أن قطار التنمية المغربي لا يترك أحداً خلفه، سواء كان في قلب الحواضر الكبرى أو في أقاصي المداشر الجبلية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة