بقلم ذ.زكرياء بنعمر فارس
في خطوة تاريخية تهدف إلى عصرنة حدود القارة العجوز، اعتمدت المفوضية الأوروبية في 29 يناير 2025 أول استراتيجية شاملة وموحدة لسياسة تأشيرات “شنغن”. هذا التحول الجذري يأتي ليجيب على التحديات الأمنية واللوجستية، واعداً بتغيير تجربة السفر لملايين الأشخاص، وعلى رأسهم المواطنون المغاربة الذين يصنفون ضمن أكثر الجنسيات طلباً لهذه التأشيرة عالمياً.
رقمنة شاملة: وداعاً لـ “الملفات الورقية”
تعتبر الرقمنة العمود الفقري للاستراتيجية الجديدة. الهدف هو استبدال “ملصق التأشيرة” التقليدي بتأشيرة رقمية مشفرة.
* المنصة الموحدة: سيتمكن المتقدمون من تقديم طلباتهم عبر منصة إلكترونية واحدة تابعة للاتحاد الأوروبي، بغض النظر عن الدولة الوجهة.
* الأداء الرقمي: دفع الرسوم ورفع الوثائق سيتم بالكامل عبر الإنترنت، مما يقلل من الحاجة للتنقل المتكرر للمراكز القنصلية.
تأشيرات “طويلة الأمد” تتجاوز 5 سنوات
في سابقة من نوعها، تدرس المفوضية الأوروبية إصدار تأشيرات متعددة الدخول (Multiple Entry) تتجاوز مدتها 5 سنوات للمسافرين “الموثوقين” (Bona fide).
* المستفيدون: رجال الأعمال، الفنانون، السياح الدائمون، والطلاب ذوي السجلات القانونية النظيفة.
* الهدف: تقليل العبء الإداري على القنصليات وتحفيز النمو الاقتصادي والسياحي.
نظام الدخول والخروج (EES): نهاية “ختم الجوازات”
دخل نظام الدخول والخروج (EES) حيز التنفيذ الفعلي في أواخر 2025، وهو نظام بيومتري آلي يسجل بيانات المسافرين من خارج الاتحاد الأوروبي.
* تتبع آلي: النظام يحسب تلقائياً مدة الإقامة (90 يوماً في كل 180 يوماً)، مما ينهي عصر “الختم اليدوي” ويحد من انتحال الشخصية أو تجاوز مدة الإقامة.
* سرعة العبور: سيساهم النظام في تسريع وتيرة المراقبة الحدودية عبر البوابات الإلكترونية.
ربط التأشيرة بالتعاون الأمني والسياسي
تؤكد الاستراتيجية على مبدأ “التناسب”، حيث سيتم ربط تسهيلات التأشيرة بمدى تعاون الدول الشريكة (مثل المغرب) في قضايا:
* إعادة قبول المهاجرين غير النظاميين.
* التنسيق الأمني ومكافحة الجريمة المنظمة.
* النتيجة: الدول التي تظهر تعاوناً كبيراً سيستفيد مواطنوها من إجراءات مخففة وتأشيرات أطول مدة.
محاربة “سماسرة المواعيد” وتعزيز الشفافية
تدرك المفوضية أزمة المواعيد التي تؤرق المغاربة. تهدف الاستراتيجية إلى:
* اعتماد أنظمة حجز آلية (كما بدأت فرنسا تطبقه تجريبياً) لمنع التلاعب من قبل الوسطاء.
* فرض معايير أكثر صرامة على شركات الوساطة (مثل TLScontact وVFS Global) لضمان تكافؤ الفرص.
استثناءات لمهن محددة
لأول مرة، هناك توجه لمرونة أكبر في قاعدة “90/180 يوماً” لبعض الفئات المهنية مثل الرياضيين والخبراء والتقنيين المشاركين في مشاريع عابرة للحدود، لضمان سيولة الكفاءات بين ضفتي المتوسط.
إن هذه الاستراتيجية ليست مجرد تحديث تقني، بل هي إعادة صياغة لمنطقة “شنغن” كفضاء رقمي آمن. بالنسبة للمغاربة، يعني هذا انتقالاً من “معاناة الانتظار والوسطاء” إلى نظام يعتمد أكثر على “الاستحقاق الرقمي” والسجل السفر الشفاف.









