الدكتور زكرياء بنعمر فارس
يعيش البيت الداخلي للمنتخب المغربي حالة من “المخاض التقني” غير المسبوقة. فبعد ثلاث سنوات من ملحمة قطر 2022، لم يعد السؤال المطروح في الاجتماعات الرياضية الرياضية والصحف هو “متى نلعب؟” بل “كيف نلعب؟ ومع مَن؟”. يضع هذا المقال تجربة وليد الركراكي تحت مجهر النقد والتحليل، مفككاً شيفرة الأزمة الراهنة وطموحات المستقبل.
متلازمة “ما بعد المونديال”: فخ التاريخ
دخل وليد الركراكي التاريخ من أوسع أبوابه كأول مدرب أفريقي وعربي يصل لنصف نهائي كأس العالم، لكن هذا الإنجاز تحول تدريجياً إلى “عبء” ثقيل.
* الواقع المر: يرى المحللون أن المنتخب المغربي أصبح “سجين” الخطة الدفاعية التي نجحت أمام إسبانيا والبرتغال، بينما عجزت تماماً عن فك شفرات منتخبات أفريقية تعتمد القوة البدنية والتكتل الدفاعي.
* فقدان المفاجأة: لم يعد الركراكي يملك “عنصر المفاجأة”؛ فكل الخصوم باتوا يحفظون تحركات حكيمي وزلزالي وسيباري، مما أدى إلى نوع من الرتابة التكتيكية.
النزيف المعنوي: بيئة “الشك” وسياق القلق
تعتبر الضبابية المحيطة بمستقبل الإدارة التقنية من أكبر معوقات التطور في الفترة الأخيرة:
* بيئة أنكسيوجينية (Anxiogène): تعيش الجماهير واللاعبون حالة من القلق المستمر بسبب غياب رؤية واضحة للمرحلة المقبلة، مما يؤثر على التركيز الذهني داخل رقعة الميدان.
* تآكل الهيبة: الخسارات أو التعادلات غير المتوقعة أمام منتخبات “صغيرة” بدأت تخدش صورة “الأسود” المرعبة، مما منح الخصوم ثقة أكبر في مواجهتهم.
”الإرث” الذي لا يمكن إنكاره: ثورة في العقلية
رغم الانتقادات اللاذعة، يظل وليد الركراكي صاحب “البصمة الوراثية” الجديدة للكرة المغربية:
* تحطيم السقف الزجاجي: بفضله، لم يعد طموح اللاعب المغربي هو تجاوز دور المجموعات، بل أصبح يحلم بالمنصة. هذا “التحول الذهني” هو أهم إرث تركه وليد.
* قنطرة الأجيال: نجح في دمج مواهب المنتخب الأولمبي (أبطال أفريقيا) بسلاسة، مما خلق خزانًا بشرياً سيستفيد منه المغرب لعشر سنوات قادمة، بغض النظر عن هوية المدرب.
الجرد الحسابي: هل انتهت الصلاحية؟
يرفع المعارضون شعار: “لا يجب إعادة كتابة صفحة طُويت بالفعل”.
* المنطق الرياضي: يقول إن لكل دورة حياة مدرب نهاية طبيعية، والإصرار على تمديدها قد يؤدي إلى “تآكل الإنجازات السابقة”.
* المطلب الشعبي: يتزايد الضغط من أجل “بروفايل” مدرب يمتلك مرونة تكتيكية أكبر، قادر على ابتكار حلول هجومية في الأدغال الأفريقية.
القرار الصعب
المغرب اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ إما تجديد الثقة في “رجل الملحمة” مع تغيير جذري في طاقمه وأفكاره، أو الانفصال الودي للحفاظ على “قدسية” إنجاز 2022 والبدء بصفحة بيضاء.
كرة القدم لا تعترف بالماضي بقدر ما تؤمن بـ “نتائج اليوم”. وإرث الركراكي، رغم عظمته، يحتاج إلى “تحديث” عاجل للبقاء في القمة.









