تجديد النخب في تدبير الشأن العام والترابي: رهان ديمقراطي واستحقاق وطني للمستقبل

ميلودة جامعي10 أبريل 2026آخر تحديث :
تجديد النخب في تدبير الشأن العام والترابي: رهان ديمقراطي واستحقاق وطني للمستقبل

 

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم يعد تجديد النخب في تدبير الشأن العام والترابي خيارًا ثانويًا أو شعارًا انتخابيًا ظرفيًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان فعالية المؤسسات وتعزيز قدرتها على مواكبة تحديات المرحلة المقبلة. فالمغرب، وهو يستعد لاستحقاقات انتخابية جديدة، يجد نفسه أمام محطة مفصلية تفرض إعادة النظر في طبيعة النخب التي تتولى مسؤولية التدبير العمومي، بما ينسجم مع متطلبات التنمية والجهوية المتقدمة وتطلعات المواطنين.

إن تجديد النخب يشكل مدخلًا أساسيًا لكسر الجمود السياسي والإداري الذي قد ينجم عن استمرار نفس الوجوه في مواقع القرار لسنوات طويلة، إذ يفتح المجال أمام كفاءات جديدة تحمل رؤى مبتكرة وأفكارًا متجددة، قادرة على توظيف التكنولوجيا الحديثة وآليات الحكامة الجيدة في خدمة التنمية المحلية والوطنية. كما أن ضخ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة والإدارية من شأنه أن يخلق دينامية جديدة في الأداء العمومي، قائمة على الإبداع والقدرة على التفاعل مع الإشكالات الراهنة بمرونة ونجاعة.

ومن أبرز رهانات هذا التجديد، تكريس مبدأ التداول الديمقراطي على المسؤوليات، باعتباره الضامن الحقيقي لمنع احتكار السلطة ومراكز القرار. فالتداول المنتظم على المهام يرسخ حيوية المؤسسات ويمنحها شرعية متجددة، كما يعزز ثقة المواطنين في العملية السياسية، خاصة في ظل تنامي مظاهر العزوف الانتخابي وفقدان الثقة في عدد من الفاعلين التقليديين. إن بروز وجوه جديدة ببرامج واقعية وقريبة من انتظارات الناس من شأنه أن يعيد بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسة، ويشجع فئات واسعة، خاصة الشباب، على الانخراط في العمل السياسي والمشاركة في صناعة القرار.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات بنيوية وسياسية تعيق أحيانًا عملية التجديد. فثقافة المحافظة السياسية التي تتشبث بها بعض النخب التقليدية، بدافع الحفاظ على النفوذ والمصالح، تشكل عائقًا أمام صعود الكفاءات الجديدة. كما أن النخب الصاعدة غالبًا ما تواجه انتقادات مرتبطة بقلة الخبرة في مجالات الإدارة والتسيير، وهو ما يستدعي توفير آليات للتأهيل والمواكبة تضمن انتقالًا سلسًا للمسؤوليات. ويضاف إلى ذلك ضعف التنشئة السياسية داخل عدد من الأحزاب، التي لم تنجح بعد في خلق مشاتل حقيقية لإعداد قيادات شابة قادرة على تحمل أعباء التدبير العمومي.

وفي سياق الجهوية المتقدمة، تزداد الحاجة إلى نخب جديدة تمتلك رؤية ترابية متكاملة، وقادرة على استثمار الموارد المحلية وتحويل الجهات إلى أقطاب اقتصادية وتنموية تنافسية. فالتدبير الترابي الحديث لم يعد قائمًا فقط على التسيير الإداري، بل أصبح يتطلب خبرات في التخطيط المجالي، والذكاء الترابي، والتنمية المستدامة، وهي مجالات تستوجب كفاءات مؤهلة ومنفتحة على التحولات المعاصرة.

إن مواجهة هذه التحديات تقتضي إبداع آليات عملية لتعزيز تجديد النخب، من بينها إحداث برامج تكوين وتأهيل مستمرة، وإنشاء أكاديميات تدبيرية داخل الأحزاب والمؤسسات العمومية تُعنى بتطوير المهارات القيادية والتقنية للنخب الجديدة. كما أن ترسيخ ثقافة التدبير بالنتائج، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يظل شرطًا أساسيًا لتحويل التجديد من مجرد تغيير شكلي في الوجوه إلى تحول حقيقي في أساليب العمل ومناهج التدبير.

وفي المحصلة، فإن تجديد النخب في تدبير الشأن العام والترابي ليس مجرد مطلب سياسي عابر، بل هو رهان وطني يروم الانتقال من منطق الاستمرارية الجامدة إلى منطق الأداء والفعالية. إنه دعوة لإرساء تعاقد جديد بين الأجيال، يجمع بين حماس النخب الصاعدة وخبرة النخب المتمرسة، في إطار من التكامل لا التنازع، بما يضمن تجويد الخدمة العمومية وتحقيق تنمية ترابية عادلة ومستدامة.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة