بقلم: الدكتور رشيد بوتي
تنتشر اليوم على منصات التواصل الاجتماعي صور بيانية تقارن بين المملكة المغربية ومملكة هولندا عبر مؤشرات دقيقة: الناتج المحلي الإجمالي، دخل الفرد، مؤشرات الصحة، التعليم، والتنمية البشرية. ورغم تباين الأرقام حسب المصادر والسنوات، تبرز حقيقة واحدة لا غبار عليها: لقد أثبت المغرب، فوق المستطيل الأخضر، أنه قادر على مقارعة الكبار ومواجهة أعرق الأمم، بينما يظل التحدي الاقتصادي سباقاً مستمراً يتطلب نفساً طويلاً.
إن السؤال الجوهري اليوم ليس “لماذا تتفوق هولندا؟”، بل السؤال الاستراتيجي هو: كيف يمكن للمغرب أن يقلص هذه الفجوة خلال العشرين سنة القادمة؟
إن الإجابة لا تكمن في وفرة الموارد الطبيعية أو اتساع الرقعة الجغرافية، بل في إطلاق العنان لخمس رافعات استراتيجية تقود عملية التحول الهيكلي:
الاستثمار في الرأسمال البشري: تحويل النظام التعليمي من التلقين إلى الابتكار، ليكون ركيزة أساسية تبدأ من المدرسة وتنتهي بمراكز البحث العلمي المتقدمة.
اقتصاد المعرفة: جعل البحث، التطوير، والمقاولات الناشئة (Startups) المحرك الرئيسي للنمو، لتجاوز التبعية الاقتصادية التقليدية.
التصنيع ذو القيمة المضافة العالية: تعزيز التموضع في قطاعات المستقبل مثل التكنولوجيا الحيوية، الذكاء الاصطناعي، الإلكترونيات الدقيقة، والطاقة المتجددة.
رفع الإنتاجية والحوكمة المرنة: تسريع الرقمنة داخل النسيج المقاولاتي وتطوير منظومة حكامة تضمن سرعة اتخاذ القرار وفعالية التنفيذ.
المشاريع الكبرى كمسرعات: تحويل الأوراش الوطنية الكبرى – كميناء طنجة المتوسط، والانتقال الطاقي، ومونديال 2030 – إلى منصات دولية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
إن المغرب لا ينطلق من فراغ؛ فهو يمتلك اليوم أصولاً استراتيجية صلبة: موقعاً جيوسياسياً فريداً، بنية تحتية عالمية، استقراراً مؤسساتياً راسخاً، وشباباً يمتلك الطموح والقدرة على التغيير.
إن هدفنا لا يكمن في استنساخ النموذج الهولندي، بل في ابتكار “النموذج المغربي” الخاص بنا، نموذج يقوم على التميز، الابتكار، وخلق الثروة المستدامة. ففي القرن الحادي والعشرين، لا تُحسم المنافسة بين الأمم في ملاعب كرة القدم فحسب، بل تُكسب في مختبرات البحث، وفي قاعات الجامعات، وعبر منصات البيانات، ومصانع المستقبل.
لقد برهن المغرب للعالم أنه قادر على إبهار الجميع بإنجازاته الرياضية؛ وقد آن الأوان لنقنع العالم بأن قوتنا الحقيقية تكمن أيضاً في متانة اقتصادنا، وفي عمق استراتيجيتنا، وفي قدرتنا على تحويل الطموح إلى واقع ملموس.
#المغرب #الريادة #الاقتصاد #الابتكار #الرأسمال_البشري #الصناعة #رؤية_2030 #التنافسية










