🖋️ الرأي | سلسلة: تشخيصات خارج المألوف …الصمت… حين يصبح أقوى من كل الكلمات

ميلودة جامعي1 يوليو 2026آخر تحديث :
🖋️ الرأي | سلسلة: تشخيصات خارج المألوف …الصمت… حين يصبح أقوى من كل الكلمات

الحلقة الثالثة

✍️ بقلم: ميلودة جامعي

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، تحدثنا عن “الجنون” الذي لا نعني به المرض العقلي، وإنما ذلك السلوك الذي يفقد الإنسان اتزانه عندما يستسلم للغرور، فيظن أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن الجميع مطالبون بالإنصات إليه. فالغرور يدفع صاحبه إلى الحديث أكثر مما يسمع، وإلى الدفاع عن ذاته أكثر مما يراجعها.

لكن الحياة تُعلّمنا درسًا لا يتقنه إلا القليل…

فكلما ازداد الإنسان نضجًا، قلَّت حاجته إلى إثبات نفسه بالكلام.

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل مسرحًا للصراخ، وصار كل رأي معركة، وكل اختلاف خصومة، أصبح الصمت يُساء فهمه. فمن يصمت يُتهم بالضعف، ومن لا يرد يُقال إنه خسر، ومن ينسحب من الجدل يُوصف بأنه عاجز عن المواجهة.

غير أن الحقيقة مختلفة تمامًا.

الصمت في كثير من الأحيان ليس انسحابًا، بل انتصار على النفس. إنه القدرة على التحكم في الانفعال عندما يحاول الآخرون جرّك إلى مستوى لا يشبهك. وهو إعلان غير معلن بأن كرامتك أغلى من أن تُستنزف في جدال عقيم.

ليس كل سؤال يحتاج إلى جواب، وليس كل إساءة تستحق ردًا، وليس كل من يرفع صوته يملك الحجة.

هناك أشخاص لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن رد فعل. يستمدون قوتهم من غضب الآخرين، ويعتبرون استفزازهم نجاحًا. وهؤلاء لا يهزمهم الكلام، بل يهزمهم التجاهل.

ومع ذلك، فإن الصمت ليس فضيلة في كل موقف.

فحين يصبح وسيلة للهروب من قول الحق، أو خوفًا من مواجهة الظلم، فإنه يتحول إلى شريك في استمرار الخطأ. فالصمت الذي يحمي الكرامة حكمة، أما الصمت الذي يخذل المبادئ فليس إلا استسلامًا.

لهذا، فإن الفرق بين الإنسان الناضج والإنسان المغرور لا يظهر في عدد الكلمات التي ينطق بها، بل في قدرته على اختيار اللحظة المناسبة للكلام، واللحظة الأنسب للصمت.

لقد أدرك الحكماء منذ زمن بعيد أن الكلمة قد تُصلح، وقد تُفسد، وأن السكوت قد يكون أحيانًا أبلغ من خطبة طويلة. فالعاقل لا يقيس قيمته بعدد من يسمعه، بل بالأثر الذي يتركه حين يتحدث.

إن أكثر الشخصيات قوة ليست تلك التي تربح كل جدال، وإنما تلك التي تعرف أن بعض الانتصارات الوهمية لا تستحق ثمن راحة النفس.

وربما لهذا السبب، كانت أعظم المراجعات التي غيّرت حياة الإنسان تتم في لحظات الصمت، حين يخلو بنفسه، بعيدًا عن ضجيج الناس، فيسمع لأول مرة صوت ضميره.

ختام

الصمت ليس علامة ضعف، كما أن كثرة الكلام ليست دليلًا على القوة.

القوة الحقيقية أن تمتلك القدرة على الرد، ثم تختار الصمت لأنك أدركت أن قيمتك لا تُقاس بعدد المعارك التي خضتها، بل بعدد المعارك التي لم تكن في حاجة إلى خوضها.

فليس كل من سكت خسر، وليس كل من تكلم انتصر.

نلتقي في الحلقة الرابعة من سلسلة “تشخيصات خارج المألوف” بعنوان:

“الأقنعة… لماذا يختبئ الإنسان خلف شخصية ليست له؟”

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة