الدكتور زكرياء بنعمر فارس
في عالم يرزح تحت وطأة التحولات المتسارعة والأزمات الوجودية المتلاحقة، قليلون هم قادة الدول الذين يحافظون على بوصلة ثابتة ورؤية استراتيجية متبصرة طيلة عقود الزمن. فقبل أكثر من ربع قرن، انخرط المغرب، تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في مسار إصلاحي هيكلي لا يخضع لتقلبات الظرفية ولا لضغوط الصيحات الظرفية، بل يترجم رؤية عميقة تستشرف آفاق المستقبل برصانة وثبات.
بَصْمَةُ الرُّؤْيَةِ المَلَكِيَّةِ: مِنْ عِقْدِ التَّحَوُّلَاتِ إِلَى اسْتِرَاتِيجِيَّةِ المَدَى الطَّوِيلِ
إن إنجازات المغرب الكبرى خلال العهد المجيد – من تحديث البنى التحتية الكبرى، والقفزة الصناعية النوعية، والتنمية المندمجة للأقاليم الجنوبية، إلى ثورة الطاقات المتجددة، والمبادرة الأطلسية المبتكرة، والاستعدادات الحثيثة لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030 – ليست سوى التجليات المرئية لثوابت رؤية ملكية متماسكة منذ سنة 1999.
وفي وقت شهد فيه مطلع القرن الحادي عشرين هزات اقتصادية عالمية، وجوائح صحية، وعودة الحروب في القارة الأوروبية، وتنافسية محمومة بين القوى الكبرى، تمكن المغرب من الحفاظ على خطه الاستراتيجي المستقر. وقد تجلت أهداف هذه السياسات العمومية في:
تعزيز السيادة الوطنية: في أبعادها الاقتصادية والطاقية والتكنولوجية.
الاستثمار في الرأس المال البشرى: باعتباره الثروة الحقيقية للوطن ورافعة التنمية المستدامة.
تأصيل البعد الإفريقي والعلاقات الاستراتيجية المتنوعة: تكريساً لموقع المملكة كمحور إقليمي ودولي موثوق.
الدبلوماسية الملكية والاقتصاد الإقليمي: ريادة القارة والأطلسي
لقد تجاوزت السياسة الإفريقية للمملكة الحسابات الظرفية الضيقة لتؤسس لشراكات تضامنية قائمة على التنمية المشتركة، مما جعل المغرب شريكاً قارياً لا غنى عنه. وتتوجت هذه الدينامية بالمبادرة الملكية الأطلسية الموجهة لدول الساحل، والتي تُعيد تشكيل الفضاء الجيوسياسي الإقليمي، محولة الواجهة الأطلسية إلى فضاء للاندماج الاقتصادي والازدهار المشترك.
كما تجلت عبقرية الرؤية الملكية في الاستثمار الاستباقي في مؤهلات البلاد قبل أن تلقى الاعتراف الدولي، لتصبح البنى التحتية الكبرى (الموانئ المهيكلة، الممرات اللوجستية، والقطاعات التكنولوجية المتقدمة) ركائز أساسية للسيادة وقوة القرار المستقل.
صلابة المؤسسات ورجال الدولة: ركيزة الاستقرار والكفاءة
إن الرؤية السديدة لا تُؤتي أكلها إلا بمؤسسات صلبة ورجال دولة أوفياء ينذرون حياتهم لخدمة المصلحة العليا للوطن. وتحت القيادة الملكية السامية، أثبتت المؤسسة الملكية قدرتها الفريدة على الجمع بين الأصالة التاريخية والحداثة الدستورية والمؤسساتية.
وفي هذا السياق المطبوع بالاستقامة ونكران الذات، يبرز دور نخبة من خدام الدولة الأوفياء الذين يواكبون الرؤية الملكية السامية بكل تفانٍ، ومنهم:
الس السيد فؤاد عالي الهمة: الذي يرافق بوفاء ثابت ورؤية متجردة التوجيهات الملكية السامية، مساهماً بصمت وإخلاص بعيداً عن الأضواء في تنزيل الأوراش الكبرى في التزام تام بالثوابت الدستورية والمؤسساتية.
السيد عبد اللطيف حموشي: المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، الذي قاد بحنكة رفيعة ورؤية متقدمة تحديث المنظومة الأمنية للمملكة. فقد أرسى ثقافة أمنية حديثة تقوم على الاحترافية العالية، والقرب من المواطن، وحماية الحقوق، مما جعل الأجهزة الأمنية المغربية مرجعاً دولياً ومثَالاً يُحتذى في محاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، مؤكداً التلاحم بين الفعالية الميدانية والأخلاق الجمهورية في خدمة الوطن.
المصداقية الدولية: الرصيد الجيوسياسي للمغرب
بفضل هذه الحكامة الرشيدة والاستقرار المؤسساتي المستدام، بات المغرب يمثل واحة أمان ومحط ثقة دولية واسعة. فقد أصبحت المصداقية عُملة صعبة ورصيداً جيو-استراتيجياً ثميناً؛ فالمستثمرون يلمسون الوضوح والرؤية المسبقة، والشركاء الدوليون يدركون جدارة المملكة والتزامها الموصول.
وهذا ما مكن الدبلوماسية المغربية، بفضل التوجيهات الملكية، من بناء شبكة من الشراكات الاستراتيجية المتوازنة والمتنوعة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية الشقيقة، وعمقه الإفريقي، مجسدة بذلك نموذجاً للدولة القوية المنفتحة على المستقبل.
إن ربع القرن الأول من العهد الملكي المزدهر لم يكن مجرد مرحلة من التحولات العميقة، بل كان عملية إعداد محكمة وممنهجة لعالم الغد. لقد دخل المغرب القرن الحادي والعشرين بأسس صلبة، واقتصاد متنوع، وجيش ودبلوماسية ومؤسسات أمنية وإدارية ترقى إلى أعلى المعايير العالمية.
إن هذا التميز ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة التلاحم المتين بين العرش والشعب، وثبات الخطوات، وعبقرية رؤية ملكية متبصرة جعلت من استشراف المستقبل صناعة واقعية وهندسة وطنية مستدامة.










