الانتخابات المغربية.. حين يصبح الوعد سلعة والصوت هو المقابل
✍️هند بومديان
مع كل استحقاق انتخابي، يعود إلى الواجهة سؤال طالما ظل حاضراً في النقاش العمومي: هل أصبح المواطن يصوّت على أساس البرامج والمشاريع، أم على أساس الوعود والامتيازات والمصالح الضيقة؟
في فترة الانتخابات، يصبح المواطن محط اهتمام استثنائي. تتكاثر اللقاءات والزيارات، وتكثر الاتصالات والوعود، ويصبح المرشح أكثر قرباً من الناس، وأكثر حرصاً على الاستماع إلى مشاكلهم. لكن هذا القرب، في كثير من الأحيان، لا يدوم طويلاً بعد انتهاء العملية الانتخابية.
المفارقة أن المواطن يسمع خلال الحملة الانتخابية وعوداً كبيرة: فرص عمل، مشاريع تنموية، تحسين البنية التحتية، الارتقاء بالخدمات، دعم الشباب، معالجة مشاكل الأحياء، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستعدون المواطن؟
بل: ماذا تستطيعون فعلاً أن تنفذوا؟
فالسياسة ليست مسابقة في إطلاق الوعود، والانتخابات ليست مزاداً لمن يقدم العرض الأكبر. هناك قوانين واختصاصات وميزانيات وإمكانات، وهناك أيضاً مسؤوليات محددة يجب أن يعرف المواطن حدودها قبل أن يمنح صوته.
ومن هنا، يصبح الوعي الانتخابي ضرورة وليس ترفاً.
المواطن الذي يسمع وعداً ببناء مشروع أو خلق مناصب شغل أو حل مشكلة اجتماعية، من حقه أن يعرف تفاصيل هذا الوعد: ما مصدر التمويل؟ من الجهة المسؤولة؟ ما الجدول الزمني؟ وما الذي يمكن محاسبة المنتخب عليه إذا لم ينفذ؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الانتخابات إلى موسم مؤقت للوعود، ثم يتحول المواطن بعد ذلك إلى مجرد متفرج ينتظر أربع أو خمس سنوات أخرى حتى يسمع الوعود نفسها من جديد.
الصوت الانتخابي ليس سلعة، والكرامة لا تُقاس بمساعدة عابرة، والمصلحة العامة لا يمكن اختزالها في هدية أو وعد شخصي.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل المرشحين وحدهم مسؤولية هذا الواقع. فالمواطن أيضاً يمتلك قوة حقيقية داخل صندوق الاقتراع. يستطيع أن يرفض الخطاب الشعبوي، وأن يقارن بين البرامج، وأن يسأل عن الحصيلة السابقة، وأن يميز بين من يريد خدمة الشأن العام ومن يبحث فقط عن الوصول إلى موقع القرار.
الديمقراطية الحقيقية لا تقوم فقط على وجود صناديق الاقتراع، وإنما على ناخب واعٍ ومنتخب مسؤول.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية في كل انتخابات ليست فقط بين المرشحين، بل هي أيضاً معركة ضد ثقافة سياسية تجعل الوعد بديلاً عن البرنامج، والشعار بديلاً عن الإنجاز، والصورة بديلاً عن الحضور والعمل.
لقد آن الأوان لأن يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً للمرشح هو:
ماذا حققتَ عندما كنتَ في موقع المسؤولية؟
ثم: ماذا ستفعل هذه المرة، وكيف ستفعله، ومتى سنحاسبك عليه؟
حين يصبح هذا النوع من الأسئلة جزءاً من الثقافة الانتخابية، ستتغير قواعد اللعبة.
فالمواطن الواعي لا يبيع صوته، والمنتخب المسؤول لا يشتريه بالوعود.
الانتخابات ليست سوقاً للوعود، بل موعد لاختيار من يستحق ثقة الناس.










