عندما يندر الذهب الأزرق، يصبح الابتكار مفتاح البقاء
الدكتور زكرياء بنعمر فارس
في مواجهة قحولة متزايدة تفاقمت بفعل تغير المناخ، يقف المغرب عند مفترق طرق. لقد أصبحت المحافظة على موارده المائية الثمينة، وهي عمود اقتصاده الزراعي المزدهر، ضرورة ملحة. يجري نشر حلول رائدة، تتراوح من تحلية المياه إلى ربط الأحواض، مروراً بإصلاح زراعي طموح، بعزم لمواجهة خطر أزمة مائية ذات عواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة. تحقيق في صميم إدارة حيوية واستراتيجيات جريئة يجري تنفيذها من أجل مستقبل أكثر مرونة.
يعاني المغرب من إجهاد مائي غير مسبوق في شدته، مما يضع إدارة مياهه في صدارة الأولويات الوطنية المطلقة. لقد شهدت السنوات السبع الماضية عجزاً مطرياً مستمراً، وهو واقع تفاقم بسبب ارتفاع مستمر في درجات الحرارة. في عام 2024، تجاوز المتوسط السنوي المسجل المعدل الطبيعي للفترة المرجعية بمقدار 1.5 درجة مئوية، وهو اتجاه يزيد من الطلب على المياه، لا سيما في القطاع الزراعي الذي يساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي (14%) وفي التوظيف (40%). يؤكد عبد العزيز زروالي، المدير العام للمياه، على التأثير المباشر لهذا الارتفاع الحراري على التبخر وتملح التربة، فضلاً عن إطالة فترة الذروة للطلب على مياه الشرب. وعلى الرغم من أن فيضانات استثنائية خففت مؤقتًا من الضغط على بعض الأحواض في الجنوب والجنوب الشرقي في عام 2024، إلا أن الوضع العام لا يزال مقلقًا، مع تفاوتات ملحوظة بين المناطق. وفي مواجهة هذا النقص، شرعت وزارة التجهيز والماء، بالتعاون مع الجهات الفاعلة المعنية، في تقييم دقيق وتخطيط استراتيجي للموارد المائية، بالاعتماد على مقاربة شاملة وعلمية وتشاركية. الهدف النهائي، الذي أكدته السلطات العليا في المملكة، هو ضمان إمدادات مياه الشرب لجميع السكان وتلبية 80% من الاحتياجات الزراعية، وهو طموح يعتبره السيد زروالي قابلاً للتحقيق بالنظر إلى المشاريع الهيكلية الجارية.
يمر تحسين إدارة المياه المتاحة عبر برنامج متكامل لأحواض الأنهار، يركز على كفاءة الري، والاقتصاد في المياه، والإنصاف في التوزيع، مع إشراك فعال للجماعات المحلية، ووكالات الأحواض، والمزارعين، والقطاع الخاص. يسلط زكريا اليعقوبي، مدير الري وتهيئة المجال الزراعي، الضوء على ضرورة تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة باستهلاك المياه في الزراعة. وخلافًا للاعتقاد الشائع، فإن أقل من 5% من المياه المستخدمة في هذا القطاع “يتم تصديرها” عبر المحاصيل، مما يضع المغرب في وضع جيد على المستوى الدولي. كما يوضح التمييز بين الاستهلاك الفعلي والبصمة المائية، كاشفًا أن بعض المحاصيل التصديرية التي غالبًا ما تنتقد تستهلك مياهًا أقل من الحبوب. مثال الأفوكادو، الذي يزرع في مناطق ذات فائض مائي ولا تمثل صادراته سوى جزء ضئيل من الاستهلاك الزراعي الوطني، يوضح هذا الفارق الدقيق.
للتغلب على حلقة الندرة المفرغة، يبرز تحلية مياه البحر كبديل جدي وواعد. يهدف برنامج طموح، تديره وزارة التجهيز والماء، إلى تأمين إمدادات مياه الشرب للمدن الساحلية الكبرى، وبالتالي تحرير مياه السدود للزراعة. يجري بناء العديد من محطات التحلية، مع توقع نتائج بين عامي 2028 و 2030. يشهد نور الدين قسا، مدير المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي سوس-ماسة، على حماس المزارعين لهذه الفرصة للتنمية المستدامة، كما يتضح من مشروع الري في سهل اشتوكة، الذي تجاوزت الاشتراكات فيه التوقعات الأولية بكثير بعد إطلاق محطة تحلية. بالتوازي، يجري العمل على مشاريع ربط الأحواض لتحسين توزيع الموارد.
في مواجهة حتمية الحفاظ على ذهبه الأزرق، ينتهج المغرب استراتيجية متعددة الأبعاد وجريئة. من خلال الجمع بين الابتكار التكنولوجي في تحلية المياه، وتحسين إدارة الموارد الحالية، وإصلاح زراعي مستنير، ينخرط المغرب بعزم على طريق زيادة المرونة المائية. سيكون التعبئة المستمرة لجميع الأطراف المعنية والوعي الجماعي بالقيمة التي لا تقدر بثمن للمياه مفتاح النجاح لتحويل التحدي الحالي إلى فرصة للتنمية المستدامة والازدهار للأجيال القادمة.










