الدكتور زكرياء بنعمر فارس
إنَّ القمم الرياضية ليست محطات عشوائية، بل هي نتاج فلسفة إدارية عميقة، تتخذ من الرؤية الاستراتيجية بوصلة، ومن القيم ركيزة صلبة للانتماء والعمل الدؤوب. ففي النموذج الكروي المغربي، تجسَّدت هذه الفلسفة في قيادة سديدة ورؤية ملكية سامية أرسى معالمها جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، وتولت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة السيد فوزي لقجع، مهمة صياغة وتنفيذ استراتيجية شاملة حولت الحلم إلى واقع ملموس.
لقد اعتمدت هذه المنظومة على أركان إدارية متينة تبدأ بالتخطيط الصارم والتنظيم المحكم، مروراً بالتوجيه الكفء، وصولاً إلى الرقابة الهادئة، لكن جوهر نجاحها يكمن في دمج هذه العمليات بـالقيم الوطنية والإنسانية التي تشكل الأساس المشترك للاعبين والأطر داخل وخارج الملعب، وفي مقدمتها حب الوطن والروح القتالية والاحترام.
المدير التقني: رائد التكوين وضمان استمرارية الأجيال
في خضم هذا البناء المؤسساتي المُنظَّم، يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به الإدارة التقنية الوطنية، وعلى رأسها رجل خبر الملاعب تدريباً ولاعباً، ثم مُكوِّناً ومؤطراً، إنه القامة الكروية الأستاذ فتحي جمال، المدير التقني الوطني الحالي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
يُعد فتحي جمال، بكفاءته المهنية العالية وخبرته الطويلة كإطار وطني معتمد لدى الاتحادين الإفريقي والدولي (كاف و فيفا)، المهندس الحقيقي للنهضة الكروية المغربية في بعدها التكويني. لقد كرّس هذا الرجل رؤيته وشغفه المتجدد لكرة القدم، ليسهم بشكل مباشر في صقل المواهب وضمان مسار تطورها داخل الأندية ومراكز وأكاديميات التكوين.
الدور المحوري في صقل المواهب الشابة:
لقد اضطلع المدير التقني بدور قيادي لا يُقدّر بثمن في:
* توحيد الرؤية التقنية ومنهجية التكوين: وضع إطار عمل موحد ومُحدَّث يضمن الجودة والاستمرارية في جميع مراكز التكوين بالمملكة، من طنجة إلى الكويرة، مما يضمن تخرج لاعبين ذوي مستوى متقارب ومؤهلين للانضمام إلى المنتخبات الوطنية.
* متابعة وتطوير الأطر الشابة: عمل على تطوير كفاءات المدربين والأطر التقنية الوطنية، مساهماً في خلق جيل جديد من المُكوِّنين القادرين على استيعاب وتنفيذ الاستراتيجية التقنية.
* دعم وإشراف على المنتخبات السنية والكرة النسوية: تحت إشرافه، شهدت المنتخبات السنية تطوراً ملحوظاً، كما تم إحداث نقلة نوعية في مستوى الكرة النسوية، مما يؤكد تركيزه على الاستثمار في قاعدة الهرم الرياضي.
* الاستثمار في الإنسان: لم يكن عمله مقتصراً على الجانب التقني فحسب، بل ركز على غرس القيم الرفيعة في نفوس الناشئة، مؤمناً بأن النجاح الحقيقي هو نتيجة تخطيط طويل الأمد يراهن على العنصر البشري المغربي.
إنّ النجاحات المتتالية التي تحصدها الكرة المغربية اليوم، هي الثمار اليانعة لعمل دؤوب، وهدوء احترافي، وعقل مدبر آمن بقدرات الشباب المغربي. وعليه، فإن الإشادة واجبة بهذا المدير التقني الذي أعاد بناء الأسس بـصمت، فكان وقع خطواته مدوياً.
تحية تقدير واحترام لفتحي جمال ولكل الجنود المجهولين الذين يصنعون المجد بصمت خلف كواليس الأكاديميات ومراكز التكوين.










