بقلم الدكتور زكرياء بنعمر فارس
تظل أسماء بعض الشخصيات محفورة في ذاكرة الوطن، ليس فقط لمكانتها الاجتماعية، بل لما قدمته من خدمات جليلة للهوية الوطنية. وفي طليعة هؤلاء، تبرز السيدة جوديا حصار بنسليمان؛ المؤرخة، وعالمة الآثار، والجامعية المقتدرة، التي لم تكن فقط رفيقة درب الجنرال حسني بنسليمان، بل كانت “جندية” في محراب العلم، استطاعت بمفردها أن تعيد كتابة تاريخ الأركيولوجيا في المغرب برؤية وطنية خالصة.
بصمة ذهبية في تاريخ البحث الأثري
يعود الفضل الأكبر للسيدة جوديا حصار بنسليمان في إخراج علم الآثار المغربي من دائرة “الظل” التي حُصر فيها لعقود. فمنذ فترة الحماية، كان هذا التخصص يُدار بعيون أجنبية وبأجندات تخدم الرواية الاستعمارية، إلا أن إصرارها وتفانيها الأكاديمي مكّن المغرب من استعادة زمام المبادرة في التنقيب والبحث والدراسة.
* مغربة القطاع: كانت الرائدة في وضع اللبنات الأولى لعلم آثار مغربي الهوية، يدرس التاريخ القديم والوسيط للمملكة بعيداً عن التبعية الفكرية.
* التأسيس العلمي: بفضل كفاءتها العالية، منحت هذا التخصص “صك النبل” الأكاديمي، محولة إياه من مجرد هواية استكشافية إلى علم رصين يُدرس في كبريات الجامعات المغربية.
كسر القيود وتجاوز الإرث الكولونيالي
لم يكن مسارها مجرد مسار مهني عادي، بل كان معركة فكرية لإثبات الذات المغربية. لقد نجحت السيدة حصار بنسليمان في:
* تحرير المواقع الأثرية: من القراءات المختزلة التي كانت تركز فقط على الفترات التي تخدم السردية الأجنبية، مسلطة الضوء على العبقرية المغربية عبر العصور.
* التكوين والتأطير: تخرجت على يديها أجيال من الباحثين المغاربة الذين يقودون اليوم أكبر البعثات الأثرية، مما ضمن استمرارية مدرستها الوطنية.
* الإشعاع الدولي: مثلت المغرب في المحافل الدولية كعالمة فذة، فارضة احترام التراث المغربي كإرث إنساني عالمي تتم إدارته بعقول وطنية.
تقدير لامرأة استثنائية
إن الاعتراف بالجميل لهذه السيدة هو اعتراف بجيل من الرواد الذين اشتغلوا في صمت لبناء صروح المعرفة في مغرب ما بعد الاستقلال. لقد جمعت بين الرصانة العلمية والالتزام الوطني، وظلت طوال مسيرتها وفية لتاريخ تربة هذا الوطن.
”جوديا حصار بنسليمان لم تكن تنقب عن الأحجار، بل كانت تعيد صياغة ذاكرة أمة، وتنتزع حق المغرب في كتابة تاريخه بأيدٍ مغربية.”










