بقلم: د. زكرياء بنعمر فارس
ثمة أمم تعبر الزمن متجهة بنظرة واثقة نحو الحداثة، لكنها في الآن ذاته، تحمل بين طيات وجدانها كنزاً لا يقدر بثمن: تراثاً حياً وتقاليد لا تنطفئ. والمغرب، بتاريخه الضارب في عمق الألفية، يقف اليوم كأبهى مثال على هذا التوازن الفريد؛ فبينما تتلألأ المملكة بديناميتها الاقتصادية وإشعاعها الدبلوماسي القوي، تستمد قوتها الحقيقية من صون تراث غير مادي استثنائي، تتربع التقاليد الملكية على عرش أركانه.
إن صورة واحدة، أبلغ من ألف خطاب، استطاعت أن تختزل هذا الجوهر. فهي ليست مجرد لقطة عابرة، بل هي شريط زمني لسلالة استثنائية، تحكي قصة رابطة لم تنقطع يوماً بين سلاطين الدولة العلوية وأبنائهم. في هذا المشهد الثلاثي، نشهد انتقال مشعل الحكمة، والمسؤولية، والبر الفطري، متجسداً في إيماءة توقير ضاربة في القدم.
لمسة الخلود: توارث قيم الاحترام
تكمن قوة هذه الصورة في تكرارها الرمزي؛ فمن الأسفل إلى الأعلى، ومن أرشيف الأبيض والأسود وصولاً إلى ألوان الحاضر الزاهية، نرقب ولي العهد وهو يؤدي الحركة ذاتها: تقبيل يد والده الملك. هذه القبلة ليست بروتوكولاً جافاً، بل هي تجسيد لفلسفة حياة، وميثاق غليظ من الوفاء والاحترام المتبادل.
* في القاعدة: نرى المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، حينما كان ولياً للعهد، وهو يقبل يد والده بطل الاستقلال المغفور له جلالة الملك محمد الخامس.
* في الوسط: جلالة الملك محمد السادس يكرر ذات مشهد التوقير تجاه والده المنعم.
* في القمة: يظهر اليوم صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن وهو يبر والده جلالة الملك محمد السادس.
هذه الإيماءة تتجاوز حدود العلاقة بين ابن ووالده؛ إنها تحية من “ضامن وحدة الأمة” في المستقبل إلى “أمير المؤمنين”، القائد الروحي والزمني للمملكة.
الأناقة المخزنية: مرآة الروح المغربية
تسلط الصورة الضوء أيضاً على الجمالية الراقية التي ترافق هذا الانتقال الجيلي. يظهر الملوك في أبهى تجليات الأناقة المغربية الأصيلة؛ حيث يرتدي جلالة الملك محمد السادس وولي عهده الجلباب المغربي تارة والزي العصري تارة أخرى، بألوان متناغمة بين الأبيض الناصع والألوان الدافئة، وسط ديكورات معمارية مبهرة من الزليج والجبس المنقوش بدقة.
هذه المظاهر ليست حبيسة الماضي، بل تُرتدى بفخر معاصر، لتذكر الجميع بأن الهوية المغربية تُعاش في كل لحظة. إن التباين بين الأمير بزي عصري تارة (في الصورة السفلى) وبزي تقليدي، مع الحفاظ على ذات الانحناءة التوقيرية، يوضح بجلاء كيف يمزج الشباب المغربي بين التكوين العصري الحديث وبين التمسك بالجذور العميقة.
المؤسسة الملكية: حارس التلاحم الوطني
إن التقاليد الملكية المغربية، المسنودة بـ “البركة” العائلية المتوارثة، هي الإسمنت المسلح للوطن؛ فهي التي تضمن الاستقرار والاستمرارية في عالم دائم التغير. هذه الصورة شهادة حية على قوة هذه المدرسة: “ملك يُعدُّ ملكاً”، حيث لا يتعلم ولي العهد دواليب الدولة فحسب، بل يتشرب قيم التواضع ومعنى الخدمة المتفانية لشعبه ولتاريخ أسلافه.
من خلال الاحتفاء بهذه التقاليد القائمة على الاحترام والمحبة في قمة هرم الدولة، يقدم المغرب للعالم نموذجاً للتنمية المتناغمة؛ تنمية لا تُبنى على جحود الماضي، بل على التجذر فيه بثقة وسكينة، تماماً كشجرة تطال أغصانها السماء، لأن جذورها تنهل من عمق أرض الأجداد.









