بقلم سفيان فارس – رئيس القسم الاستراتيجي
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المغرب على مختلف الأصعدة، تبرز مقاربات فكرية جديدة تعيد ترتيب أولويات التنمية، واضعة العنصر البشري في صلب المعادلة. وفي هذا السياق، شددت الباحثة في الجيوسياسية ياسمينة أسرارغيس على أن مستقبل المملكة لا يُقاس فقط بمدى تطور بنياتها التحتية، بل بقدرتها على الارتقاء بواقع الإنسان المغربي.
خلال حديثها في برنامج “الاستنطاق” (L’interrogatoire)، قدمت أسرارغيس قراءة تحليلية تنطلق من فكرة محورية مفادها أن التنمية الحقيقية تتجاوز لغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية. فبرأيها، لا يمكن الحديث عن نجاح نموذج تنموي دون أن ينعكس بشكل مباشر على جودة حياة المواطنين، سواء في مجالات التعليم أو الصحة أو العدالة الاجتماعية.
وترى الباحثة أن المغرب، رغم إنجازاته اللافتة في مشاريع كبرى، يقف اليوم أمام تحدٍ أساسي يتمثل في تحويل هذه المكاسب إلى قيمة مضافة ملموسة في الحياة اليومية للمغاربة، معتبرة أن هذا التحول هو الفيصل بين تنمية شكلية وأخرى مستدامة.
وفي قراءتها للبنية المجتمعية المغربية، اعتبرت أسرارغيس أن التنوع الثقافي والفكري الذي يميز المملكة يشكل ثروة حقيقية يجب استثمارها. وأكدت أن اختلاف الرؤى والتصورات داخل المجتمع ليس عامل تفرقة، بل مصدر قوة يساهم في تعزيز الابتكار وخلق دينامية مجتمعية قادرة على مواكبة التحديات.
هذا الطرح يعكس تصوراً حداثياً للتنمية، يقوم على إشراك مختلف الفاعلين وتثمين التعدد بدل السعي إلى توحيد القوالب الفكرية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، أبرزت أسرارغيس أن المكانة التي بات يحتلها المغرب في محيطه الإقليمي تفرض عليه تعزيز جبهته الداخلية، من خلال الاستثمار في ما يسمى بـ”الرأسمال اللامادي”. فالقوة الناعمة، بحسب تحليلها، لا تُبنى فقط على الاقتصاد أو الدبلوماسية، بل على جودة الإنسان وقدرته على الإبداع والمساهمة في التنمية.
وأضافت أن الدول التي تسعى إلى الريادة الإقليمية مطالبة ببناء نموذج تنموي متوازن، يجعل من الإنسان محوراً لكل السياسات العمومية، وهو ما يشكل اليوم أحد أبرز التحديات المطروحة أمام صناع القرار في المغرب.
تخلص قراءة الباحثة إلى أن المغرب يوجد في مرحلة مفصلية من مساره التنموي، حيث لم يعد كافياً تحقيق إنجازات مادية كبرى دون مواكبتها بإصلاحات عميقة تمس جوهر الحياة الاجتماعية. فالمعادلة، كما تؤكد، تقوم على تحقيق التوازن بين البنية التحتية الصلبة والتنمية البشرية المستدامة.
إنها دعوة صريحة لإعادة توجيه بوصلة السياسات العمومية نحو الإنسان، باعتباره المحرك الحقيقي لأي نهضة، والضامن الأساسي لاستمراريتها في عالم تتزايد فيه التحديات وتتعاظم فيه رهانات التنافس الدولي.










