أمضت وزيرة الثقافة الفرنسية، رشيدة داتي، ثلاثة أيام في المغرب، حملت خلالها رسائل ثقافية وسياسية هامة. هذه الزيارة، التي تميزت بالإعلانات الثقافية الكبرى، ليست فقط تعبيراً عن دعم فرنسا لمغربية الصحراء، بل تندرج أيضاً ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز دور الثقافة كرافعة للتنمية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وكأداة للتأثير والتبادل الثقافي بين المغرب وفرنسا.
في خطوة تعد الأولى من نوعها لمسؤول حكومي فرنسي، زارت السيدة داتي الأقاليم الجنوبية للمغرب، لتجدد تأكيد دعم فرنسا للسيادة المغربية على صحرائها. هذه الزيارة، التي تزامنت مع اعتراف فرنسا بالسيادة الكاملة للمغرب على أقاليمه الجنوبية، حملت في طياتها إشارات سياسية قوية تدعم الموقف المغربي في هذا الملف.
بدأت الوزيرة زيارتها في مدينة طرفاية، حيث توجهت إلى معلمة “Casa del mar”، التي تم الإعلان عن بدء مشروع ترميمها. تعد هذه المعلمة التاريخية من أبرز المواقع التي تسعى فرنسا والمغرب إلى الحفاظ عليها، باعتبارها جزءاً من التاريخ المشترك بين البلدين. بعد ذلك، زارت السيدة داتي قصبة طرفاية ومتحف أنطوان دوسانت إكزوبيري، الذي كان يقطنه الكاتب والطيار الفرنسي، وهو اليوم مقصد سياحي دولي.
زيارة هذه المواقع التاريخية تسلط الضوء على العلاقة الثقافية العميقة بين المغرب وفرنسا، وتؤكد على الأهمية التي توليها فرنسا للحفاظ على التراث المشترك بين البلدين.
في مدينة العيون، أطلقت السيدة داتي مشروع “التحالف الفرنسي” (Alliance Française)، الذي يهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي والتعليم بين سكان الأقاليم الجنوبية والمجتمع الفرنسي. هذا المشروع يمثل خطوة هامة في توسيع نطاق التعاون الثقافي بين المغرب وفرنسا، ويتيح لسكان المنطقة فرصاً للتعلم والانفتاح على ثقافات أخرى، مما يسهم في تعزيز الحوار والتفاهم بين الشعوب.
كما قامت السيدة داتي بزيارة مرافق مكتبة محمد السادس في العيون، وهي واحدة من أبرز الصروح الثقافية في المغرب. تعتبر هذه المكتبة مركزاً مهماً للبحث والمعرفة، وتعكس التزام المملكة بتطوير البنية التحتية الثقافية على مستوى الأقاليم الجنوبية.
في مدينة الداخلة، رافقت الوزيرة رشيدة داتي وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، لإطلاق ملحقة المعهد العالي لمهن السينما، وهي خطوة تهدف إلى تعزيز قطاع السينما والسمعي البصري في الأقاليم الجنوبية. هذا المعهد سيوفر برامج تدريبية متخصصة لسكان المنطقة، مما سيسهم في تعزيز العروض الثقافية ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية في هذه المناطق.
تعتبر هذه المبادرة جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى تطوير الصناعات الثقافية في المغرب، وتحقيق التنمية المستدامة في المناطق الجنوبية من المملكة. كما تساهم هذه الخطوة في فتح آفاق جديدة لسكان المنطقة، من خلال تمكينهم من اكتساب مهارات جديدة في مجال السينما والوسائط الرقمية.
تستمر زيارة السيدة داتي إلى المغرب يوم الثلاثاء، حيث من المنتظر أن تعقد لقاء موسعاً مع وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد. كما سيتم توقيع عدد من الاتفاقيات الثقافية والفنية في مجالات الثقافة والفنون والسينما، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدين في هذه المجالات الحيوية.
تعد زيارة رشيدة داتي إلى الأقاليم الجنوبية للمغرب بمثابة دفعة جديدة للتعاون الثقافي بين المغرب وفرنسا. هذه الزيارة لا تعكس فقط الموقف السياسي الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء، بل أيضاً طموحاً استراتيجياً لتعزيز دور الثقافة كأداة للتنمية والتأثير في المنطقة. من خلال مشاريع ثقافية كبرى مثل “التحالف الفرنسي” وملحقة المعهد العالي لمهن السينما، تؤكد هذه الزيارة على الأهمية المتزايدة التي توليها كل من المغرب وفرنسا للثقافة كوسيلة للتبادل والتفاهم بين الشعوب.