امال بنعبود
المفكر المغربي يستعرض التناقض بين “مغرب الواجهة” و”مغرب الواقع” ويُحذر من انهيار النخبة السياسية أمام الثورة الرقمية لـ”جيل ديسكورد”.
في تحليل يتسم بالرصانة الأكاديمية والجرأة الفكرية التي عوّدنا عليها، يقدم المفكر المغربي والأكاديمي المخضرم، حسن أوريد، قراءة معمقة وتحذيرية لاحتجاجات “جيل زد” في المغرب.
وبفضل خبرته المزدوجة في دواليب الدولة (ناطق رسمي سابقاً باسم القصر الملكي) وفي الحقل الأكاديمي، ينجح أوريد في النفاذ إلى جوهر الأزمة، بعيداً عن الشعارات الشعبوية والتبريرات الرسمية.
“المغرب بسرعتين” مفتاح فهم الغضب:
يُشخص أوريد غضب “جيل الثورة الرقمية” (الذي تتراوح أعماره بين 13 و28 سنة) ليس كحدث طارئ، بل كـنتاج تراكمي لإخفاقات بنيوية عميقة، أهمها:
* ثنائية التناقض: يكشف أوريد عن وجود هوة واسعة بين “مغرب الواجهة البراقة” الذي يُسوّق عالمياً، و**”مغرب الواقع اليومي الصعب”** المتمثل في ضعف الخدمات العمومية، اتساع الفوارق الطبقية والمجالية، والشعور المتزايد بالتهميش الذي فاقمته أزمات الجائحة والحرب الأوكرانية والجفاف.
* الشرارة المأساوية: ربط المفكر تلك الاحتجاجات بسلسلة من الأحداث المأساوية التي فجّرت الغضب الشعبي، من “مسيرات العطش” إلى مآسي الوفيات في مناطق جبلية بسبب نقص الخدمات الصحية الأساسية.
يرى أوريد أن هذا الجيل وجد نفسه في مواجهة مشهد سياسي مُنهار ومجتمع مُفرغ من وسائط التعبير العقلاني:
* أزمة الطبقة السياسية: يؤكد أن الأحزاب السياسية تحولت إلى مجرد “ماكينات انتخابية فاقدة للروح”، وأن التعيينات الوزارية أصبحت لا ترتبط بالكفاءة أو الرصيد السياسي. فالوزراء “بلا نكهة ولا كاريزما” وغير قادرين على التواصل الفعال، مما أفقد الفعل السياسي شرعيته الأساسية.
* صعود “نجوم التفاهة”: يعتبر أوريد أن إقصاء النخب الفكرية والنقدية وترك الساحة لـ”نجوم التفاهة” أفرغ المجتمع من أدواته الطبيعية لتصريف الغضب بشكل عقلاني، ما حوّل الاحتقان إلى “عنف في الشارع” في غياب تلك النخبة الوسيطة.
يلفت أوريد الانتباه إلى الخصوصية النوعية لـ”جيل زد” الذي يتمتع بـقدرات رقمية عالية، ويستخدم أدوات تنظيم حديثة مثل منصة “ديسكورد”، بل ويتبنى اللغة الإنجليزية بديلاً عن الفرنسية، مما يُشير إلى تحول رمزي ولغوي في بنية النخبة الجديدة ومرجعياتها.
في ختام تحليله، يخلص أوريد إلى أن احتجاجات “جيل زد” ليست نقمة، بل “رجة ضرورية” و**”منعطف في الوعي الجمعي”** غيّر وجه النقاش العمومي من الهامش (مثل كرة القدم) إلى القضايا الجوهرية (كالحكامة وتدبير الشأن العام).
ويُشبّه أوريد الوضع الراهن بـ**”ميلاد مغرب جديد”**، يحتاج إلى “قابلة فكرية وسياسية” لمرافقة هذا التحول بذكاء وحذر، للحفاظ على تماسك الدولة وتجنب الانزلاق نحو الارتباك والفوضى التي قد تهدد الاستقرار.
بهذا التشخيص العميق والجريء، يُرسخ حسن أوريد مكانته كمفكر يوازن ببراعة بين النقد اللاذع والمسؤولية الوطنية العالية، مقدماً نفسه كـ”مرآة لعقل الدولة وضمير المجتمع” في مواجهة التحديات المصيرية.










