القنب الهندي بالمغرب.. بين الحوكمة الصارمة والانتعاش الاقتصادي المقنَّن

ميلودة جامعي16 أكتوبر 2025آخر تحديث :
القنب الهندي بالمغرب.. بين الحوكمة الصارمة والانتعاش الاقتصادي المقنَّن

 

يشهد قطاع القنب الهندي بالمغرب تحوّلاً جذرياً، يجمع بين الانضباط القانوني والانفتاح الاقتصادي، في تجربة إصلاحية غير مسبوقة، جعلت من هذا المنتوج الزراعي مادة منظمة تُسهم في التنمية المحلية وتحد من الاقتصاد غير المهيكل الذي كان سائداً لعقود.

فمنذ دخول القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي حيّز التنفيذ، اتجهت السلطات، بقيادة وزارة الداخلية والوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، إلى فرض نظام صارم يقوم على المراقبة الدقيقة لكل مراحل الزراعة والإنتاج والتصنيع. وقد أسفر هذا النهج عن سحب 111 رخصة خلال العامين الأخيرين، في خطوة تؤكد أن الانخراط في المشروع الوطني لتقنين القنب لا يعني التساهل في الالتزام بالقانون.

في المقابل، رافق هذا الحزم الإداري توسع واسع النطاق في منح التراخيص، ما يعكس نجاح المقاربة التشاركية مع الفلاحين والتعاونيات المحلية. فقد ارتفع عدد المزارعين المرخص لهم من 430 فقط سنة 2023 إلى أزيد من 7050 مزارعاً في 2025، ينضوون تحت لواء 413 تعاونية إنتاجية، الأمر الذي أعاد الأمل إلى مناطق ظلت لعقود رهينة اقتصاد غير منظم.

وشهدت المساحات المزروعة توسعاً مذهلاً، إذ قفزت من 192 هكتاراً إلى 4729 هكتاراً خلال عامين فقط، موزعة على الأقاليم الثلاثة المعنية بالمشروع: تاونات (2045 هكتاراً)، الحسيمة (1343 هكتاراً)، وشفشاون (1341 هكتاراً)، وهو ما يعكس تركيز الاستراتيجية الوطنية على دعم المناطق التاريخية لزراعة القنب، ضمن رؤية تنموية شمولية تراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي.

أما على صعيد التحويل والتصنيع، فقد عرف القطاع قفزة تنظيمية مهمة، حيث ارتفع عدد المشغلين الحاصلين على تراخيص من 138 إلى 165، تغطي 235 رخصة صادرة إلى اليوم. وتشمل هذه الرخص شركات وتحالفات إنتاجية جديدة: 98 شركة متخصصة، 44 تعاونية تحويلية، و23 شخصاً ذاتياً، في خطوة تؤسس لنواة صناعية وطنية موجهة نحو خلق قيمة مضافة وتحفيز التصدير.

هذا الزخم التنظيمي والإنتاجي لا يعكس فقط الرغبة في تأطير نشاط طالما ارتبط بالاقتصاد غير الرسمي، بل يترجم أيضاً رؤية المغرب في تحويل القنب الهندي إلى مورد مشروع للتنمية المستدامة، يضمن دخلاً كريماً للمزارعين، ويُسهم في جلب الاستثمارات وإحداث فرص الشغل، في انسجام تام مع التوجهات الوطنية الكبرى في مجال الحوكمة والاقتصاد الأخضر.

وهكذا، يبدو أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تجربة فريدة في العالم العربي والإفريقي، قوامها تقنين محكم، مراقبة دقيقة، وانفتاح اقتصادي متدرج، يجعل من القنب الهندي نموذجاً لكيفية تحويل التحديات التاريخية إلى فرص تنموية واعدة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة