يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الحكومة الجديدة، التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، أمام اختبار اجتماعي واقتصادي حاسم، في ظل تصاعد انتظارات المواطنين بشأن تحسين القدرة الشرائية، وتخفيف أعباء المعيشة، وضمان الولوج إلى الخدمات الأساسية. وتحمل التوجهات العامة للمشروع مؤشرات أولية على توجه حكومي يروم ترجمة الالتزامات الانتخابية إلى إجراءات عملية، تجعل الأوضاع الاجتماعية للأسر والشباب في صلب الاختيارات المالية المقبلة.
وتكشف المحاور الكبرى للمشروع، التي قدمها وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع خلال المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، عن توجه نحو مواصلة توسيع الحماية الاجتماعية، مع الإعلان عن إصلاحات تستهدف تنظيم الأسواق والأسعار ابتداءً من سنة 2027، في مسعى لاستعادة جزء من القدرة الشرائية التي تأثرت بارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي مقدمة هذه التدابير، يبرز التوجه نحو الرفع التدريجي من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب ضمان استدامة أنظمة التغطية الصحية الشاملة، ومواصلة برنامج الدعم المباشر للسكن، فضلاً عن إعطاء دفعة جديدة لإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، باعتبارهما من أبرز المجالات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين.
غير أن الرهان الأساسي لن يقف عند حدود الإعلان عن هذه الإجراءات، بل سيمتد إلى مدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في ميزانيات الأسر، خصوصاً الفئات محدودة ومتوسطة الدخل التي تنتظر تدابير أكثر فعالية لمواجهة الغلاء وتحسين ظروف العيش. فاستعادة القدرة الشرائية تظل مرتبطة أيضاً بمدى انعكاس الإصلاحات المرتقبة على أسعار المواد الأساسية، وضبط الاختلالات التي تعرفها بعض الأسواق، وتعزيز آليات المراقبة والمنافسة.
وفي سياق البحث عن حلول مستدامة للإشكالات الاجتماعية، يتضمن المشروع إطلاق برنامج وطني مندمج خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، يستهدف مواكبة الشباب في مجالات التكوين والتشغيل والتمويل والولوج إلى الأسواق، مع تتبع مساراتهم نحو تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً لأهمية الانتقال من المقاربات الظرفية إلى برامج قادرة على خلق فرص حقيقية أمام الشباب، ولا سيما الباحثين عن العمل وحاملي المشاريع، من خلال ربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتيسير الولوج إلى التمويل، وتحفيز المبادرة الخاصة.
وعلى مستوى التنمية المجالية، يولي المشروع أهمية لتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، بالتوازي مع تسريع تنفيذ برامج التنمية الترابية والجهوية، عبر اعتمادات مالية تقدر بنحو 25 مليار درهم، وفق المعطيات الواردة في التوجهات المقدمة.
كما يراهن المشروع على تحفيز الاستثمار الخاص، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة وتمويل الالتزامات الاجتماعية، مع الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية. وهي معادلة تضع الحكومة أمام تحدي التوفيق بين توسيع الإنفاق الاجتماعي، وتحسين جاذبية الاستثمار، وضمان استدامة المالية العمومية.
وتتجه الأنظار، في هذا السياق، إلى الكيفية التي ستترجم بها هذه التوجهات إلى برامج محددة، وإلى مدى قدرة الاستثمارات المعلنة على تقليص الفوارق المجالية وتحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية، خصوصاً بالمناطق التي ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالتشغيل والتجهيزات العمومية والولوج إلى العلاج والتعليم.
ومن المرتقب أن تشكل هذه التوجهات مرتكزاً أساسياً للبرنامج الحكومي المزمع عرضه أمام غرفتي البرلمان، بما يفتح الباب أمام نقاش سياسي ومؤسساتي حول الأولويات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة الجديدة.
وبين سقف الانتظارات الشعبية وحدود الإمكانيات المالية، سيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 محكاً حقيقياً لمدى قدرة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على تحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس، يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
فالمواطن لا ينتظر فقط أرقاماً مالية وبرامج استراتيجية، بل يتطلع إلى انخفاض ملموس في ضغط المصاريف، وفرص شغل أكثر استقراراً، وخدمات صحية وتعليمية أفضل. ومن هنا، فإن نجاح المشروع لن يقاس بحجم الاعتمادات المرصودة وحدها، وإنما بمدى انعكاسها على مستوى العيش، وتعزيز الثقة في السياسات العمومية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.










